كابتن أسامه شقمان
ادخل قطاع الطيران العالمي في حالة استنفار قصوى بعد اكتشاف خلل برمجي خطير في أنظمة التحكم بطائرات إيرباص A320، ما دفع الشركة الأوروبية والهيئات الرقابية في أوروبا والولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة شملت استدعاء آلاف الطائرات وإيقاف تشغيل بعضها مؤقتًا.
القرار أدّى إلى اضطراب هائل في حركة الرحلات حول العالم، وإلى موجة قلق بين شركات الطيران والملايين من المسافرين.
منذ دخولها الخدمة في ثمانينيات القرن الماضي، أصبحت طائرات A320 حجر الأساس في أساطيل شركات الطيران العالمية، بفضل اقتصاديتها واعتماديتها العالية.
ومع تجاوز إنتاجها حاجز 12 ألف طائرة، تُعدّ العائلة الأكثر انتشارًا في الأجواء اليوم.
إيرباص سجّلت نقطة تحوّل تاريخية عند طرحها أول نظام Fly-by-Wire في طائرة تجارية، ما جعل البرمجيات جزءًا أساسيًا من «نبض الطائرة» وقدرتها على التحليق بدقة عالية.
جوهر الخلل: تأثير الإشعاع على ذاكرة وحدات التحكم
بدأت الأزمة بعد حادثة لطائرة تابعة لشركة JetBlue شهدت هبوطًا غير مقصود في الارتفاع، خلّف إصابات بين الركاب.
وكشفت التحقيقات أن الخلل مرتبط بوحدات ELAC المسؤولة عن إدارة أسطح التحكم مثل الجنيحات والمصاعد.
وتبيّن أن الإشعاع الشمسي والكوني قد يسببان ما يُعرف بـ Single-Event Upset، وهو خلل نادر يؤدي إلى فساد بيانات داخل الذاكرة الإلكترونية، ما قد يرسل أوامر غير دقيقة لأنظمة التحكم بالطيران.
ورغم ندرة الظاهرة، إلا أن خطورتها المحتملة استدعت تدخّلًا عاجلًا على مستوى عالمي.
استدعاء غير مسبوق: 6000 طائرة تحتاج تحديثًا عاجلًا
أعلنت إيرباص والهيئات التنظيمية عن برنامج إصلاح واسع يشمل:
تحديث برمجي فوري لنحو 6000 طائرة من عائلة A320.
تعديلات مادية (Hardware) لـ 900 طائرة ذات حساسية أعلى للعطل.
إصدار AOT – Alert Operators Transmission تقضي بوقف تشغيل الطائرات المتأثرة إلى حين استكمال الإصلاح.
دعم رسمي من EASA و FAA يلزم الشركات بالتنفيذ قبل عودة الطائرات للخدمة.
التحديثات البرمجية تستغرق ما بين ساعة وساعتين، بينما تحتاج التعديلات المادية إلى وقت أطول نظرًا لدقتها وطبيعتها الحرجة.
فوضى تشغيلية تضرب شركات الطيران عالميًا
هزّت الأزمة جداول الرحلات على مستوى العالم:
إلغاء وتأجيل آلاف الرحلات في أوروبا وأميركا وآسيا.
شركات كبرى مثل يونايتد، دلتا، أمريكان إيرلاينز، لوفتهانزا، إيزي جت، ويز إير اضطرت لإعادة هيكلة جداولها بالكامل.
شركات آسيوية وأسترالية مثل Jetstar ألغت عشرات الرحلات في يوم واحد.
غالبية الشركات نفّذت التحديثات خلال ساعات الليل للحد من الاضطراب.
ورغم الخسائر التشغيلية، اتفقت الشركات على أن القرار كان ضروريًا لدرء مخاطر أكبر.
إيرباص: اعتذار رسمي وخطوات إصلاح جذرية
قدّم الرئيس التنفيذي لإيرباص غيوم فوري اعتذارًا رسميًا للمسافرين والخطوط الجوية، مؤكدًا أن السلامة ستظل «الركيزة التي لا يمكن المساومة عليها».
وتعمل الشركة على:
تطوير نسخة برمجية مُحصّنة ضد تأثيرات الإشعاع.
تحسين تصميم وحدات ELAC في خطوط الإنتاج القادمة.
التعاون الوثيق مع EASA وFAA لضمان منع تكرار المشكلة.
هل اهتزّت سمعة A320؟
يقول الخبراء إن الطائرة – رغم الأزمة – لا تزال من أكثر الطائرات أمانًا في العالم، مع موثوقية تتجاوز 99.7% ومئات ملايين الساعات من التشغيل الآمن.
ويرون أن الأزمة الحالية تعكس طبيعة الطائرات الحديثة، التي باتت تعتمد على مزيج معقد من الأنظمة الرقمية والحواسيب، ما يجعل أي خلل—even لو كان نادرًا—سببًا لتحرّكات واسعة حرصًا على السلامة.
الخلاصة
تكشف أزمة A320 الأخيرة حجم التحديات التي تفرضها البرمجيات على عالم الطيران، حيث قد يتسبب خطأ صغير في إطلاق أكبر استدعاء تشغيلي خلال سنوات.
لكن سرعة استجابة إيرباص وشفافية الهيئات التنظيمية تؤكد أن معايير السلامة في الطيران المدني ما تزال الأكثر صرامة في عالم النقل.
إنها أزمة عابرة… لكنها تذكير حاسم بأن التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، تحتاج دائمًا إلى مراقبة مستمرة وتحديثات دائمة لضمان سماء أكثر أمانًا.




