إبراهيم أبو حويله
الحلقة الثالثة وقبل الإخيرة..عندما تسبق الأقدار التدابير
عدوّ خبيث كان يريد فلسطين لقمة سائغة له، يجد فرصة تاريخية لم تكن متاحة في تاريخه يوما؛ لم يحدث تاريخيًا أن اتفقت المسيحية الصهيونية في أوروبا، ثم في أمريكا، على دعم غرس اليهود في أرض عربية سابقًا، بل كان العداء هو السمة التاريخية لهذه الفئة. وسقطت كل الدول المحورية الإسلامية في المنطقة، فلم تعد هناك قوة تستطيع الدفاع عن حق إسلامي مفقود.
وثالثة أراها اقدار السماء تهيء الارض لأمر جلل، وهي الحربان العالميتان. برأيي، لم يكن الصهاينة ليستطيعوا دفع يهود العالم للهجرة إلى هذه الأرض، ومواجهة أهلها، وسرقة بيوتهم ومدنهم، لولا الحربين. فالظروف التي خلقتها الحرب دفعت يهودًا وغير يهود، ممن التحق بهم من الروس وغيرهم، للهجرة إلى أرض السمن والعسل. وثبت تنسيق الحركة الصهيونية لاستهداف اليهود في هذه المدن لدفعهم إلى الهجرة، كما حدث في الاتفاقية مع الرايخ الثالث بما يُسمّى اتفاقية الهعفراه «النقل»، ما سمح لليهود، تحت الضغط، بالهجرة بأموالهم وأنفسهم.
وهنا أقرّ أحيانًا بأن سعي الإنسان في الأرض محدود بالتدابير والتفكير، ولكن الأقدار تسبق التدابير، وتُهيّئ أحيانًا الظروف لخلق واقع جديد، ربما تحت سنن التدافع والابتلاء والتغيير، وخلق أوضاع جديدة لظروف جدّية. وبعدها تهيأت الظروف للحركة الصهيونية للمضي قدمًا بمشروعها الاستعماري الإحلالي، ولكنها كانت تستغل كل ظرف متاح بجعل الواقع الجديد دائمًا.
وهنا سعت بكل السبل لتجعل من جميع العرب خونة ومتواطئين ومتعاونين، وكلهم يسعى للنيل من بعض، لخلق واقع سياسي يُفرّق ويَسود. وهنا حققت نجاحات من خلال إلياهو ساسون وإلياهو إيلات، وهم من العرب اليهود وأمثالهم، وما زالت تحقق عبر هذه الفئة من اليهود العرب، وآخرهم الناطق الإعلامي للجيش الصهيوني. وهذه الفئة ما عرفت الأمان على حياتها ومالها ومعتقداتها إلا في العالم الإسلامي، وهي اليوم تبث سموم حقدها وسوء طبعها.
خاصة إذا علمت بأن هذا اليهودي السوري، ساسون مثلًا، كان ناشطًا في الحراك اليهودي في سوريا، ويسعى إلى تحصيل حقوقهم من الآستانة، وهو من أجل ذلك اشترك في الثورة العربية الكبرى، ولذلك كان على علاقة بكثير من الساسة العرب في المنطقة. ومن هنا كانت هذه المعرفة هي الطريق الذي سلكه لاحقًا ليخلق نقاط وصل بين قيادة الحركة الصهيونية التي احتلت فلسطين وبين الزعماء والساسة العرب في المنطقة.
ولكن هل سأل كل واحد منا نفسه لماذا ينجح هؤلاء؟ هنا يبدو أن صديقنا محمد العدوان لم يقع فريسة لهذه الأقوال، وسعى بجدّ وجهد ليعرف الحقيقة، فبحث عنها ليس عبر الأقوال والأخبار المنقولة من هنا وهناك، بل عبر الوثيقة والمعلومة المؤكدة. فبذل جهدًا منقطع النظير في سبيل ذلك، وصل فيه هو شخصيًا إلى كل أرشيف يمكن أن يصل إليه، من فلسطين إلى تركيا إلى بريطانيا وفرنسا، ومصر والمغرب وغيرهم.
وهنا الفرق بين من يسعى للحقيقة وبين من يسعى لتبرير الهزيمة، أو تجميل رأيه وموقفه، وتحميل الآخر المسؤولية، والنجاة عبر الكذب والخديعة والتضليل.
ومن هنا لا بد من العلم بأن الساسة والسياسة والدبلوماسية قائمة على مهارات مختلفة أخر شيء فيها الصدق والأمانة، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا معها. وهنا نستقرئ مثلًا ما فعلته تركيا بعد هزيمة دول المحور، وكيف لعبت الدبلوماسية التركية بذكاء وخبرة ودهاء قرون من السياسة للخروج بأقل الخسائر، فيما تكبّد غيرها أثمانًا وخسائر فادحة مثل اليابان وألمانيا، ولكن هذا الخروج كان له تبعاته القاسية على الدولة والسياسة، والتي امتدت إلى يومنا هذا.
وهنا، للأسف، نخسر كعرب بسبب فرق الخبرة والقوة والإعداد في إدارة هذه الملفات لصالح العرب وفلسطين؛ حيث إن اليهود لديهم تحالفات، وأشخاص داعمين ومنتمين، ولوبيات، ودول غربية تعمل لصالح مشروعهم. في المقابل، الصف الفلسطيني منقسم إلى تيار نشاشيبي يرى التفاوض والسياسة قادرة نوعًا ما على تحقيق أهداف، وتيار حسيني يرى الجهاد هو السبيل. وهذا لم يكن خلافًا عائليًا، ولكن هو في الحقيقة خلاف قسّم تقريبًا البلد، وأعتقد أنه ما زال يقسم.
وعالم عربي تحكم معظم دوله بريطانيا وفرنسا، عبر سياسيين وعسكريين إنجليز وفرنسيين يحكمون الجيوش والسياسة، ونحن نتكلم عن تلك الفترة. هنا أدرك الملك عبد الله الأول، بحكمته وحنكته، أن المخرج لن يكون إلا عبر تحالف عربي بين دول وازنة: العراق وسوريا والأردن على الأقل. وخاطب وحاور وناقش ليصل إلى إقناع هذه الأطراف وغيرها بالدخول في هذا التحالف.
وهنا لا يتسع المجال لسرد كل هذه المخاطبات والمحاولات، ولكن من أراد التوسع يستطيع أن يعود إلى كتاب محمد العدوان عن الملك عبد الله الأول. بل وأكد العدوان، عبر الوثائق، أن الملك عبد الله الأول كان مستعدًا للتنازل في سبيل تحقيق هذه الوحدة، لما يرى لها من فوائد على الأمة والقضية الفلسطينية خصوصًا.
وهنا أقف بين جدلية ستبقى بين من تم اتهامه، وبين من سعى بكل ما هو متاح لحل الأزمة، وبين من عمل ومن خان وأجّل حلها وارتقى بعد ذلك على ظهرها، وما زال البعض يفعل هذا إلى اليوم. وهنا لا بد من قراءة الجزء الأول والجزء الثاني من هذه السلسلة بعناية.
جيوشنا العربية في الحقيقة لم تكن جيوشًا، وليست ذات تدريب ولا تسليح ولا عتاد ولا عُدّة. وهنا يتفوّق بشكل طفيف الجيش المصري والجيش العراقي، من حيث العدد والتدريب والأسلحة، على باقي الجيوش العربية. ولكن لا ننسى أن هذه الجيوش خرجت من تحت مظلة التهميش والتحييد العثماني، ودخلت تحت الانتداب البريطاني والفرنسي، فلا أسلحة مناسبة، ولا تدريب، ولا عدد، ولا إمكانية دولية للسماح بتجاوز هذا الواقع.
ومن حاول، مثل مصر وسوريا والعراق، اصطدم إما بالرفض أو السرقة، كما حصل مع السفينة الإيطالية التي قرصنها الصهاينة وتم سحبها إلى سواحل فلسطين. فكل مصادر السلاح والمعابر والهيمنة، كما هي اليوم، تقع تحت السيطرة الغربية المسيحية المتصهينة والصهيونية.
وهنا لك أن تتخيل أن هذه الجيوش المسمّاة جيوشًا ستحارب قوات النخبة الصهيونية الخارجة من الحرب العالمية، والمدرّبة والمسلّحة والمدعومة من قبل الغرب، وهي ضعفها في العدد. ومن ضمن الجدليات المفتوحة: هل لو تُرك أهل فلسطين يقاتلون وتم دعمهم بالرجال والسلاح كان أفضل؟ أم أن دخول هذه الجيوش أفضل؟ مع أن هذا الواقع سمح بعرض القضية من قبل الصهاينة بأن العرب، بجيوشهم الستة وأسلحتهم، اجتمعوا عليهم مرة أخرى ليتم إلقاؤهم مرة أخرى في البحر؟
وأنهم واقعون تحت تهديد وجودي، لا بد من دعمهم بالمال والسلاح والرجال لمواجهة هذا التهديد العربي المجتمع لاجتثاثهم والقضاء عليهم. ستبقى هذه من ضمن جدليات هذا الصراع المفتوحة.
وهذا الجيش الصهيوني كان يفوق، بأقل تقدير، ضعف هذه الجيوش مجتمعة، وهو الأفضل تسليحًا وتدريبًا ودعمًا. وقامت بريطانيا بتسليمه كل المفاتيح اللازمة لكي ينتصر في معركته، فهي من كانت تحكم فلسطين، وكانت في المقابل تقود معركة سياسية وعسكرية لجعل هذا الأمر واقعًا من خلال رجالها الذين يتحكمون بالعالم العربي سياسيًا وعسكريًا.
ولك أن تتخيل أنه كان هناك إجماع من قبل الدول العربية لوضع كلوب باشا في قيادة الجيوش العربية المجتمعة؛ هذا الإنجليزي الواضح الولاء، المعروف الانتماء، والذي لا يعرف شيئًا سوى بريطانيا وما تريده بريطانيا وملكتها. وكان هؤلاء الإنجليز يسعون بكل قوة لجعل دولة الصهاينة واقعًا على الأرض.
وهنا نحن نفتقر إلى السياسة القادرة على المواجهة، وإلى الوحدة، وإلى الجيوش المدرّبة والقادرة على العمل تحت راية واحدة. وهذا ما حدث: كانت المواجهة على الأرض دامية، خسرت فيها هذه الجيوش أرواحًا وقدرات، ولم تستطع أن تواجه بشكل يحسم المعركة، مع أنها تسببت بخسائر بالغة للصهاينة في مختلف المواجهات التي حدثت، رغم التضليل الإعلامي، والاتهام بالخيانة، والعمل على زرع الفتن من قبل الصهاينة ورجالاتهم بين العرب، لخلق واقع يُطبع المشهد بهذه الصورة من الخيانة والتواطؤ، وكأن الساسة كانوا يسعون للتضحية بالرجال والمال والخسارة في ساحة المعركة من أجل الصهاينة.
وهنا نقف مع الجيش الأردني، وكان في كل مواجهة يُسبّب خسائر كبيرة للعدو الصهيوني، ما جعل أكثر من قائد يشيد ببسالة هذا الجيش، رغم حداثة عهده وقلة الخبرة والتدريب والتسليح. والذي كان في معظمه من شرق أردنيين، والذي قاتل بشرف، واستشهد رجاله في مواقع فلسطين المختلفة التي كان مسؤولًا عنها، في القدس واللطرون واللد والرملة. وساهم صموده في إفشال المخطط الصهيوني في احتلال كامل فلسطين التاريخية وتفريغها من أهلها في سبيل تحقيق مشروعه، وكان لصمود رجاله، من أمثال عبد الله التل، دور في الحفاظ على القدس وباقي المدن الكبرى التي لم تقع تحت الزحف الصهيوني.
هذا الواقع خلق معاناة جديدة، يقف معها إدوارد سعيد في مذكراته «في المكان الخطأ»، وكيف يصبح الفلسطيني فجأة في المكان الخطأ، وتتنكّر له الجغرافيا والتاريخ والسياسة، ويصبح هائمًا بلا هوية ولا عنوان، وتائهًا بلا مكان، وكيف تصبح مجرد الهوية سبيلًا من سبل العيش الكريم لإنسان تنكرت له الأرض وحضارتها المزيّفة ودينها المزعوم. ولكن الملك عبد الله الأول كان له موقف مختلف تمامًا في التعامل مع هذه القضية.
وسنمضي في إضاءات مع كتاب محمد العدوان إلى الحلقة الإخيرة عن الملك عبد الله الأول.




