شريط الأخبار
شاهين يحرز برونزية بطولة العالم للتايكواندو للناشئين “السلطة بين الأخلاق والواقعية.. من الفلسفة الإسلامية إلى الدولة الحديثة” الملك يتابع سير عمل الحكومة في تنفيذ خارطة تحديث القطاع العام تويوتا تطلق الطراز جي آر كورولا المستلهم من عالم رياضة السيارات في الأردن صاروخ إيراني جديد يسقط أحدث مسيرة إسرائيلية ضاربة.. أبرز مواصفاتها ارتفاع طفيف في مستويات التضخم في الأردن الشهر الماضي نتنياهو: القتال مستمر وندعم قرار ترمب بفرض حصار بحري على إيران الاردن .. فرض غرامة على عدم مبلغي وقائع الاحوال المدنية وزيران اردنيان يطيران الى واشنطن هواوي تكشف عن هاتف قابل للطي بعرض غير مسبوق مقتل لاعب تشيلسي الغاني في هجوم مسلح على حافلة فريقه الكرملين: فرض حصار أميركي على مضيق هرمز سيضر بالأسواق انخفاض أسعار الذهب بعد تصريحات ترمب عن مضيق هرمز الأشغال تباشر أعمال صيانة على طريق وادي عربة إنستغرام يطرح ميزة طال انتظارها ريم الرواشدة تكتب:المياه تشتعل دبلوماسيا بين عمان و دمشق وسط تراجع مخزون سد الوحدة البكار : مراكز قوى تحاول تعطيل تعديلات الضمان الاردن ..معلمة حكومية تدعو طلاب صف لركل زميلهم 5 عادات صباحية مدعومة علمياً لنمو شعر صحي تنويه هام بخصوص قانون الضمان الاجتماعي الجديد

حياصات تكتب : المخدرات .. القاتل الصامت لأحلام الشباب

حياصات تكتب : المخدرات .. القاتل الصامت لأحلام الشباب

الدكتورة ميس حياصات

ليست المخدرات خطرًا يطرق الأبواب بصوت عالٍ، بل زائرًا خبيثًا يدخل بهدوء، ويجلس طويلًا، ويغادر بعد أن يترك الخراب كاملًا. إنها لا تبدأ بجرعة، بل بفكرة؛ ولا تنتهي بإدمان، بل بخسارة إنسان، وأسرة، ومستقبل كان يمكن أن يكون مختلفًا. وحين نكتشف حجم الكارثة، يكون الثمن قد دُفع من أعمار الشباب، ومن تماسك المجتمع، ومن أمن الوطن ذاته.


إن المخدرات اليوم لم تعد سلوكًا فرديًا معزولًا، ولا خطأً يمكن احتواؤه بالنصح أو العقاب فقط. لقد تحولت إلى ظاهرة مركّبة، تضرب في وقت واحد الجسد والروح، الأخلاق والقدرة على الإنتاج، الوعي والثقافة، والاستقرار العام، وتعمل بصمت على تفكيك المجتمعات من الداخل. أخطر ما فيها أنها لا تأتي على هيئة عدو واضح، بل تتخفّى في ثوب الهروب، أو الفضول، أو الوهم المؤقت بالراحة.

كما أن المخدرات تترك أثرها الأكثر قسوة داخل البيوت. أسر تتفكك، ثقة تتآكل، وقدوة تنهار أمام أعين الأبناء. يتحول الابن من مشروع أمل إلى مصدر قلق، ومن طاقة منتجة إلى عبء ثقيل، ليس لأنه أراد ذلك، بل لأن الإدمان سرق منه قدرته على الاختيار. ومع كل حالة جديدة، تتسع الدائرة، ويتعمق الشرخ في نسيج المجتمع.

إضافة إلى ذلك، تمثل المخدرات اعتداءً مباشرًا على جوهر الإنسان. فهي لا تُغيّب العقل فقط، بل تُربك الضمير، وتشوه مفهوم الحرية، وتفرغ المسؤولية من معناها. ومع الوقت، يصبح الكذب مبررًا، والعنف مفهومًا، والانحراف مقبولًا تحت ضغط الحاجة. وهنا يكمن الخطر الأكبر: حين يعتاد المجتمع رؤية القيم تتهاوى دون مقاومة حقيقية.

ولا تقل الخسارة فداحة على صعيد الإنتاج والجهود المبذولة. فالإدمان يعني طاقات معطّلة، إنتاجية ضائعة، وكلفًا متراكمة على الدولة في الصحة والأمن والرعاية. كل شاب يُستنزف بالإدمان هو خسارة مزدوجة: خسارة إنسان، وخسارة فرصة تنمية. ومجتمع ينزف شبابه لا يستطيع أن يبني مستقبلًا مهما امتلك من موارد أو خطط.

ولا يمكن فصل هذه الآفة عن مفهوم الاستقرار والسيادة. الدولة التي تحمي حدودها مطالبة أيضًا بحماية عقول أبنائها. والمخدرات، حين تُدار من قبل شبكات منظمة عابرة للحدود، تتحول إلى أداة تهديد مباشر، لا مجرد ملف أمني. هنا، يصبح التصدي لها واجبًا جماعيًا، لا خيارًا إداريًا.

ومع ذلك، فإن المواجهة لا تُختصر بالقانون وحده، رغم أهميته وهيبته. المعركة الحقيقية هي معركة وعي. تبدأ من بيت يُصغي ولا يقمع، ومن مدرسة تُرشد ولا تُلقّن، ومن إعلام صادق لا يهوّن ولا يطبّع، ومن دولة تميّز بين من يروّج السمّ، ومن وقع ضحيته ويستحق فرصة إنقاذ.

إن المدمن ليس رقمًا في سجل، بل إنسان يمكن استعادته إذا وُجد الاحتواء قبل الوصم، والعلاج قبل الإقصاء. أما المروّج، فهو اعتداء مباشر على المجتمع، ولا مكان للتساهل معه. هذه المعادلة وحدها تحفظ التوازن بين الحزم والرحمة، بين الوقاية والمعاقبة.

من جهة أخرى، إن قضية المخدرات ليست قضية مخدرات فقط، بل سؤال كبير عن أي مجتمع نريد. هل نريد مجتمعًا يكتشف الخطر متأخرًا، أم مجتمعًا يحمي أبناءه قبل السقوط؟ هل نريد أن نعدّ الخسائر، أم أن نمنعها؟

في النهاية، ليست المأساة في مادة تُهرَّب أو تُباع، بل في حلم يُسرق، وفي وعي يُطفأ، وفي إنسان كان يمكن أن يكون شيئًا آخر. المخدرات لا تقتل دفعة واحدة، بل تُطفئ الحياة ببطء، وتترك خلفها فراغًا لا تملؤه الندمات، ولا تعالجه القوانين وحدها.
فكل شاب يسقط في هذا الطريق ليس رقمًا عابرًا، بل قصة لم تكتمل، وأمًّا فقدت الطمأنينة، وبيتًا صار أثقل مما يحتمل. وكل مجتمع يتأخر في المواجهة، يدفع الثمن من روحه قبل موارده، ومن مستقبله قبل حاضره.

لذلك، نحن اليوم لسنا أمام خطر يمكن تجاهله، ولا أمام معركة يمكن تأجيلها. نحن أمام اختبار حقيقي لصدقنا مع أنفسنا، ولقدرتنا على حماية من نحب قبل أن نرثيهم. فحين نختار أن نرى الخطر مبكرًا، وأن نواجهه بوعي ورحمة وحزم، فإننا لا ننقذ أفرادًا فقط، بل نحمي فكرة الوطن نفسها.

وحين نحمي الإنسان من السقوط، نحمي كل ما يُبنى عليه الغد… أما الصمت، فليس حيادًا، بل خيانة للمستقبل، وللمجتمع، وللوطن بأكمله.