شريط الأخبار
"رفضته إيران بقوة".. وكالة "فارس" توضح حقيقة البنود المتعلقة بالتخصيب ومضيق هرمز الحرس الثوري الإيراني يوجه تحذيرات للسفن المتواجدة قبالة رأس الخيمة الإماراتية وزارة الثقافة تنظم ندوة حول السردية الأردنية في جرش الاحد المقبل المواد الخام والفرص الضائعة... إيران: ندرس الرد الأمريكي على مقترحنا ارتقاء المعرفة وبصمات للتنمية يوقعان مذكرة تفاهم لتعزيز التمكين والحماية المجتمعية الشخص الأكثر مرونة هو من ينهار في هدوء .. بحسب علم النفس وزير البيئة: أهمية تبسيط إجراءات الخدمات للمواطنين في إربد وزير الصحة: مركز لعلاج السرطان في إربد مطلع 2027 من قلب عمّان… تراتيل المحبة والسلام 3 وفيات على متن سفينة إثر إصابتهم بفيروس هانتا حزب الاتحاد الوطني: الإعلام الوطني شريك أساسي في مسيرة الدولة خبير: صرف رديات الضريبة سيؤثر إيجابًا على تنشيط الاقتصاد حدث فلكي نادر مساء الإثنين .. كوكب قزم يخفي نجمة خلفه لمدة 119 ثانية الحراوي يطلق أغنية وطنية بعنوان "أسود مؤتة" وفاة الفنانة المصرية سهير زكي عن 81 عاماً بعد صراع مع المرض الأرصاد: الأجواء المغبرة مستمرة الإثنين الفيصلي يخطف الفوز من الرمثا .. ويؤجل حسم الدوري للجولة الأخيرة الكرك.. حين يرتدي التراب رداء الفداء ( نصب الكساسبة ) 80 طناً من الوفاء المنحوت في خاصرة التاريخ صُنفت Expereo ضمن قائمة أفضل أماكن العمل في دولة الإمارات لعام 2026 من قِبل ®Great Place to Work الشرق الأوسط

الفاهوم يكتب : هل أنت مشغول أم تُستنزف

الفاهوم يكتب : هل أنت مشغول أم تُستنزف
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
في زمن أُعيد فيه تعريف القيمة المهنية على نحو مضطرب، بات الانشغال الدائم يُقدَّم بوصفه دليلًا على الأهمية، وكأن الإرهاق شهادة اعتماد، وكأن السهر المتواصل معيار للجدّية. اختلطت المفاهيم، فذابت الحدود بين الالتزام والاستنزاف، وبين الإنجاز الحقيقي وحالة الطوارئ المزمنة التي لا تنتهي.
الساعة الواحدة وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل. مجموعة العمل مشتعلة، رسالة عاجلة، لهجة لا تقبل الانتظار، وطلب يُفترض أنه طارئ. ترد فورًا، لا لأنك المسؤول الوحيد، بل لأنك وُضعت بوعي أو بدونه في موقع الحضور الدائم، والاستجابة الفورية، والجاهزية المستمرة. في اليوم التالي، اجتماع مبكر، عيون مُجهدة، فنجان قهوة ثالث، وابتسامة إدارية محفوظة تقول "نُقدّر الموظفين الذين يعملون طوال الوقت”. عبارة تبدو تحفيزية في ظاهرها، لكنها في جوهرها إقرار ضمني بأن حياتك الخاصة خارج معادلة التقييم، وأن الإرهاق هو الثمن المقبول للبقاء.
تخرج من الاجتماع مثقلًا بمهام إضافية، لأنك تتحمّل، ولأنك لا تقول لا، ولأن المنظومة تعلّمت أن تعتمد عليك بدل أن تُنظّم نفسها. بعد أسبوعين فقط، تبدأ المؤشرات في التراجع. تركيز أقل، أخطاء أكثر، توتر دائم، وخوف من الغياب ولو لدقائق. العقل مُعلّق بالإشعارات، والجسد يعمل عند الحدّ الأقصى. ومع ذلك، تصلك رسالة رسمية باردة من الموارد البشرية تقول "تأخرت ثماني دقائق ويُخصم نصف يوم”. لا ذكر للسهر، ولا اعتبار للجهد غير المرئي، ولا تقدير للأخطاء التي أصلحتها بصمت.
وفي جلسة التقييم، تُقال العبارة الفاصلة ببرود مهني "نحتاجك أن تكون أسرع”. وكأن الحديث يدور عن آلة إنتاج لا عن إنسان. السرعة هنا ليست أداة لتحسين الأداء، بل هدفًا بحد ذاته، يُختزل فيه الاحتراف، وتُهمَّش فيه الجودة، ويُتجاهل فيه البُعد الإنساني. وفي الأثناء، يغادر الكفاءات تباعًا، لا عجزًا ولا فشلًا، بل إدراكًا بأن بيئة بلا ثقة، وبلا حدود واضحة، وبلا توازن، لا تُنتج استدامة ولا تحافظ على العقول.
المشكلة ليست في العمل ذاته، فالعمل قيمة ومسؤولية ودور. المشكلة في نمط إدارة يُساوي بين الانشغال والإنجاز، ويكافئ سرعة الرد لا صواب القرار، ويُقيم الأداء بعدد الساعات لا بعمق الأثر. إدارة تُحمّل شخصًا واحدًا ما يفوق طاقته، ثم تتعجب حين يغيب يومًا فتختل المنظومة، لأن المعرفة محتكرة، والقرارات مركزية، والنظام هش بطبيعته.
النجاح الحقيقي لا يُقاس بمدى توافرك الدائم، بل بقدرتك على بناء نظام يعمل دون استنزاف الأفراد. النجاح أن تُغلق هاتفك لساعتين دون شعور بالذنب أو الخوف، وأن تعلم أن العمل مستمر لأن هناك تخطيطًا وتوزيع أدوار وثقة مؤسسية، لا لأن أعصابك مشدودة. أن يكون الفريق واعيًا بمسؤولياته، والقرارات محكومة بالمنهج لا بالارتجال، والإدارة قائمة على الاستدامة لا على الطوارئ.
السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه بجرأة ووضوح ليس كم أنت مشغول، بل متى كانت آخر مرة ابتعدت عن هاتفك ساعتين دون قلق، ولماذا يبدو ذلك مستحيلًا في بيئة عملك.
الإجابة الصادقة عن هذا السؤال كفيلة بأن تحسم الأمر. هل تعمل في مؤسسة تُدير مواردها البشرية بوعي، أم في منظومة تُنهك أفرادها ثم تتعامل مع استنزافهم بوصفه أمرًا طبيعيًا.
والخلاصة التي لا تقبل الجدل أن الانشغال الدائم ليس مؤشر أهمية، بل غالبًا إنذار مبكر لانهيار مؤجل، تدفع ثمنه الأفراد وتخسره المؤسسات.