القلعة نيوز- اختتم سموّ الأمير الحسن بن طلال، ترافقه سموّ الأميرة ثروت الحسن، زيارةً رسمية إلى العاصمة الفرنسية باريس، شارك خلالها في سلسلة من الاجتماعات واللقاءات الفكرية والعلمية والدبلوماسية، عكست عمق الحضور الأردني في مسارات الحوار الدولي، وأكدت التزام سموّه الدائم بقضايا الإنسان والعلم والمعرفة، وتعزيز الحوار بين الثقافات والشعوب.
وخلال الزيارة، التقى سموّه نخبةً من الأكاديميين وأعضاء أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية (Académie des sciences morales et politiques)، بحضور سمو الأميرة ثروت الحسن وسمو الأميرة بديعة الحسن حيث تناول في مداخلة فكرية أهمية إعادة النظر في مفهوم السلام بوصفه مسؤولية أخلاقية لا يمكن اختزالها في ترتيبات سياسية أو صفقات آنية.
وأشار سموّه إلى القدس باعتبارها مرآة تكشف التحديات المعاصرة التي تواجه فكرة السلام، مؤكدًا أن استقرار المدينة عبر العقود قام على توازن دقيق استند إلى ممارسات موروثة، وحدود معترف بها، ونوع من ضبط النفس المشترك، لا على فرض سيادة حصرية.
وأوضح سموّه، أن ما عُرف بـ«الوضع القائم» لم يكن مجرد ترتيب إداري، بل تعبيرًا عن فهم القدس بوصفها فضاءً حساسًا يتطلب احترام الممارسات الدينية والمسؤوليات التاريخية، محذرًا من أن تسييس الإيمان وتحويل الأماكن المقدسة إلى ساحات مواجهة يهددان الطابع الإنساني والتعددي للمدينة، ويؤثران بصورة مباشرة في حضور وأمن المجتمعات المسيحية والمسلمة فيها.
كما شدد سموّه على أن نزع الإنسانية عن المسلمين والعرب، وتطبيع بعض أشكال المعاناة، أدى في كثير من الأحيان إلى اختزال البشر في أرقام وتجريدات، مؤكدًا أن إعادة تأكيد إنسانيتنا المشتركة تمثل واجبًا أخلاقيًا لا غنى عنه في مواجهة الأزمات الراهنة.
وضمن برنامجه العلمي، زار سموّ الأمير وكالة الفضاء الأوروبية، واطّلع على أحدث التقنيات الفضائية، ولا سيما تلك المرتبطة بالأقمار الصناعية القادرة على الرصد تحت التربة الجافة في المناطق الصحراوية، بما يتيح كشف بنى غير مرئية على سطح الأرض، الأمر الذي يفتح آفاقًا علمية جديدة في مجالات البحث البيئي وإدارة الموارد.
وخلال الزيارة، التقى سموّه بالمدير العام للوكالة الدكتور جوزيف أشباخر وعدد من كبار الباحثين، واستعرض معهم تجربة مدينة الحسن العلمية في تعزيز البحث التطبيقي، متوقفًا عند الزيارة الأكاديمية الرفيعة التي استضافتها عمان الشهر الماضي لوفد من جامعة لابينرانتا–لاهتي للتكنولوجيا في فنلندا، في إطار توسيع آفاق التعاون العلمي والتكنولوجي الدولي.
كما التقى سموّ الأمير في باريس مسؤولين وباحثين في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI)، وهو أحد أبرز مراكز الفكر المستقلة في أوروبا المعنية بالسياسات الدولية والاستراتيجية.
وتناول اللقاء التحولات الجيوسياسية في المنطقة، وأهمية تعزيز مقاربات التعاون الإقليمي القائمة على الإنسان والثقافة والذاكرة المشتركة، إلى جانب الاقتصاد والأمن، مشددًا على أن المؤسسات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تحل محل الروابط الإنسانية التي تبنيها المجتمعات المدنية والشبكات المهنية والتعاون العلمي والحوار الديني.
وأشار سموّه إلى أن التنمية والتكنولوجيا والابتكار تفقد معناها إذا انفصلت عن الواقع الإنساني، مؤكدًا ضرورة إشراك النساء والشباب والمجتمعات المحلية بوصفهم فاعلين حقيقيين في مسارات التنمية والحوار.
كما التقى سموّ الأمير أنطوان بيتي، رئيس المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أكبر مؤسسة بحثية حكومية في فرنسا، وأكبر هيئة للبحث العلمي الأساسي في أوروبا، وثاني أكبر مركز بحثي في العالم.
وجرى خلال اللقاء بحث الدور المحوري للبحث العلمي في دفع التقدم التكنولوجي والاجتماعي والثقافي، حيث أعاد سموّه التأكيد على إيمانه العميق بأن الاستثمار في العلم والمعرفة يشكّل حجر الزاوية لأي نهضة مستدامة، وأن دعم البحث العلمي يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل المجتمعات وقدرتها على الابتكار والصمود في مواجهة التحديات المتسارعة.
وأكد سموّ الأمير في هذا السياق، أهمية تعزيز التعاون العلمي بين المراكز الوطنية للبحث العلمي في مختلف الدول، بوصفه مسارًا أساسيًا لإثراء المعرفة الإنسانية، وتبادل الخبرات، وتطوير البحث التطبيقي، بما يسهم في معالجة القضايا العالمية المشتركة، وتعزيز قدرة المجتمعات على الاستجابة للتحديات البيئية والتكنولوجية والاقتصادية، ضمن إطار من الشراكة العلمية القائمة على تبادل المعرفة والاحترام المتكافئ.
وفي لقاء آخر، نُسّق بالتعاون مع السفارة الأردنية في باريس، التقى سموّ الأمير، بحضور السفيرة لينا الحديد، عددًا من سفراء الدول العربية لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، حيث جرى بحث أهمية حوار الأديان، ومواجهة التطرف، ودور الثقافة والتعليم في تعزيز التضامن الإنساني.
وأكد سموّه، أن هذا اللقاء يجسد رسالة ثقافية وإنسانية تنسجم مع دعوته المتواصلة إلى تحقيق «الاستقلال المتكافل» بما يحمي حقوق الإنسان وكرامته، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه منظومة الأمم المتحدة، فيما أكد السفراء على أهمية دور اليونسكو في حماية التراث الإنساني وتعزيز التقارب بين الشعوب في هذه المرحلة الدقيقة.
وفي ختام زيارته، قام سموّ الأمير بزيارة المكتبة الوطنية الفرنسية، حيث التقى رئيسها جيل بيكو، لبحث دور المكتبات الوطنية في صون الذاكرة الإنسانية وحفظ التراث المعرفي وتعزيز الوصول الحر إلى المعرفة، باعتبارها ركيزة أساسية للحوار الحضاري والتفاهم بين الشعوب.
واطّلع سموّه خلال جولة في متحف المكتبة على مجموعات نادرة تضم مخطوطات تاريخية ووثائق وأعمالًا فنية تشكّل جزءًا من الذاكرة الثقافية الفرنسية والعالمية، وتعكس الدور الذي تؤديه المؤسسات الثقافية في حفظ الإرث الإنساني للأجيال القادمة.
--(بترا)




