محاكم بلا تنفيذ.. وأحكام فوق الرفوف …هل انتهى عصر تحصيل الحقوق؟
موازنة الحقوق بين سنديانة منع
الحبس ومطرقة "الركود الاقتصادي"
رؤية قانونية لإعادة الثقة بالسوق الأردني..
شهدت المنظومة القانونية الأردنية تحولاً جذرياً في فلسفة التنفيذ الجبري بعد تعديلات قانون التنفيذ وإلغاء الحماية الجزائية عن الشيكات. وإذ جاءت هذه التعديلات استجابةً لضغوط إنسانية وتماشياً مع المواثيق الدولية إلا أن التطبيق العملي كشف عن فجوة ائتمانية أدت إلى حالة من الركود القانوني في أروقة المحاكم وانكماش في حركة الأسواق التجارية.
أولاً: رصد الخلل في المركز القانوني للدائن والمدين
إن حماية المدين المعسر لا ينبغي أن تتحول إلى مظلة للمدين المماطل . فغياب الرادع الشخصي (الحبس) أدى إلى إضعاف القوة التنفيذية للسندات العقدية الشيكات والكمبيالات. مما جعل الدائن في موقف الطرف الأضعف وهو ما انعكس سلباً على مهنة المحاماة التي باتت تفتقر لأدوات تحصيل فعالة مما دفع الكثيرين للعزوف عن الملاحقة القضائية لعدم جدواها المادية.
ثانياً: استراتيجية الحلول القانونية تغليظ العقوبات المدنية..
لإعادة الإعتبار لسلطة القانون يجب الانتقال من تقیيد الحريات إلى تقیيد المصالح وذلك عبر..
1. الربط الإلكتروني الشامل بتعديل الأنظمة للسماح لقاضي التنفيذ بالحجز اللحظي على كافة الأصول (بنوك، أراضي، أسهم، مستحقات ضريبية، تعويضات ) بمجرد قيد الدعوى.
2. سلاح الأهلية المدنية وذلك بحرمان المدين الممتنع عن تنفيذ الحكم القضائي من ممارسة بعض الحقوق المدنية مثل تجديد رخص القيادة أو السجل التجاري أو حق التقدم للعطاءات الحكومية وغيرها
3. تجريم التهرب التنفيذي عن طريق تشديد العقوبات في قانون العقوبات على الاحتيال التنفيذي ( نقل الأموال للأقارب) واعتبار هذه التصرفات باطلة بطلاناً مطلقاً وبقوة القانون دون الحاجة لدعوى بولصية طويلة الأمد.
ثالثاً: الحلول السوقية والائتمانية الوقاية قبل التقاضي…
على القطاع الخاص والتاجر والمحامي تغيير أدوات العمل التقليدية:
1. ثقافة الاستعلام يجب ألا يتم صرف بضاعة أو توقيع عقد دون الرجوع لنظام الائتمان للوقوف على الملاءة المالية للطرف الآخر.
2. الشيك الإلكتروني كضمانة تفعيل تقنيات الشيكات التي تضمن حجز القيمة في حساب المصدر بمجرد تحريره مما ينهي ظاهرة الشيكات المكشوفة…
3. الرهن الحيازي العودة لاستخدام رهن المنقولات (السيارات، الأراضي ، الآلات) كبديل أقوى من الكمبيالات الورقية التي لم تعد توفر الحماية الكافية.
رابعاً: البعد الاجتماعي إعادة ترسيخ قيمة الوفاء….
لا بد من حملة وطنية تعيد الاعتبار لمبدأ " العقد شريعة المتعاقدين" فالاستسهال في عدم السداد يؤدي إلى تمزق النسيج الاجتماعي وتضرر أرزاق العائلات التي تعتمد على تحصيل ديونها.
إن الوساطة المالية والاجتماعية يجب أن تكون مساراً موازياً للقضاء للوصول إلى تسويات تحفظ كرامة المدين وحق الدائن.
خامسا : إضافة القيود الحكومية كمحرك لعودة الثقة والنشاط التجاري . إن فرض قيود صارمة على المعاملات الحكومية للمدين الممتنع عن السداد (مثل حظر تجديد الرخص المهنية، منع السفر، وتقييد بيع وشراء العقارات والمركبات) يمثل البديل الأكثر واقعية للحبس. فهذه الإجراءات لا تمس حرية المدين الجسدية لكنها تشل قدرته على ممارسة النشاط الاقتصادي المربح طالما لم يسدد ديونه.
إن تفعيل هذا النوع من العقوبات الإدارية الضاغطة سيطمئن التجار والموردين بأن حقوقهم محمية بسلطة الدولة مما سيشجعهم حتماً على العودة لسياسات البيع بالآجل وتدفق البضائع وهو ما سيعيد الحيوية المفقودة للأسواق ويخفف من حدة الركود الذي تعيشه المكاتب القانونية والقطاعات التجارية على حد سواء.




