القلعة نيوز -
الطموح ليس نزوةً تعبر الخاطر ولا أمنيةً تتردد على الألسن ثم تذروها رياح الأيام بل هو النبض الذي يوقظ العظمة في الإنسان والشعلة التي تبدد ظلمات اليأس والريح التي تدفع سفينة الحياة إلى شواطئ الإنجاز وما ارتقت أمة ولا ازدهرت حضارة ولا خلد التاريخ اسم رجلٍ أو امرأة إلا وكان الطموح أول الحروف في قصته وآخر الأسرار التي صنعت الخلود.
فالطموح هو ذلك الصوت الخفي الذي يهمس في أعماق النفس : إن ما أنت عليه اليوم ليس نهاية ما تستطيع أن تكونه غدًا وهو الإيمان الراسخ بأن حدود الإنسان ليست ما تفرضه الظروف بل ما يرسمه لنفسه من سقفٍ للأحلام وما يملكه من عزيمةٍ لتحويل تلك الأحلام إلى واقع ولو تأملنا صفحات التاريخ لوجدنا أن العظماء لم يولدوا مختلفين عن غيرهم وإنما امتلكوا شيئًا افتقده كثيرون؛ امتلكوا طموحًا لا يعرف الانكسار وإرادةً لا تستسلم للعقبات ويقينًا بأن الطريق إلى القمم لا يُمهد بالرغبات وإنما تشقه الخطى الواثقة والجهود المتراكمة والصبر الطويل.
إن الإنسان الطموح لا يعيش على هامش الحياة بل يصنع متنها لا ينتظر الفرصة حتى تطرق بابه بل يذهب إليها ويبتكرها إن غابت ويخلق من التحديات أبوابًا للنجاح ومن الأزمات جسورًا يعبر بها إلى آفاقٍ أرحب فهو يعلم أن السفن لا تُصنع لتبقى في المرافئ وإنما لتشق عباب البحر مهما تعالت الأمواج ومهما اشتدت العواصف أن الطموح الحقيقي هو أن تجعل من وجودك قيمة ومن علمك نورًا ومن عملك رسالة ومن أخلاقك عنوانًا.
والطموح لا يسكن النفوس الكسولة ولا يعرف طريقه إلى المترددين؛ إنه رفيق المجتهدين وحليف الصابرين وسلاح الذين يؤمنون أن كل يوم لا يضيف إلى الإنسان علمًا أو خبرةً أو أثرًا هو يوم انتقص من عمره ولم يزد من قيمته ولأن الطموح ابن العلم فإن صاحبه لا يكتفي بما يعلم بل يظل تلميذًا للحياة يقرأ ، يتأمل ويتعلم ويطور أدواته ويجدد أفكاره لأن العقول التي تتوقف عن التعلم تبدأ بالتراجع وإن ظنت أنها بلغت الغاية فالقمم لا مكان فيها لمن اكتفى بما حقق وإنما لمن يرى في كل إنجاز بدايةً لإنجاز أعظم.
غير أن للطموح جناحين لا يحلق بدونهما: الأخلاق والإتقان.
فالأخلاق تمنح النجاح شرفه والإتقان يمنحه بقاءه أما النجاح الذي ينمو في تربة الأنانية أو الغرور فإنه وإن ارتفع قليلًا سرعان ما تعصف به رياح الزمن وحده النجاح الذي يقوم على الصدق والأمانة والإخلاص واحترام الإنسان يظل ثابتًا كشجرةٍ طيبة أصلها راسخ وفرعها في السماء.
إن أعظم صور الطموح ليست تلك التي تقف عند حدود الذات وإنما التي تمتد لتلامس الوطن والإنسان فما قيمة نجاحٍ يحتكره صاحبه؟ وما جدوى علمٍ لا ينفع الناس؟
إن الطموح الحقيقي هو الذي يحول الإنسان إلى مصدر إلهام وإلى صانع فرص وإلى حامل رسالة يزرع الأمل حيث يسود الإحباط ويبني حيث يكتفي الآخرون بالنقد ويمنح قبل أن ينتظر الأخذ.
ولقد أثبتت التجارب أن الأمم لا تنهض بكثرة الموارد وإنما بوفرة الطموح فالثروات قد تُستنزف والظروف قد تتبدل أما الإنسان الطموح فإنه قادر على أن يصنع من الصحراء واحة ومن الفكرة مشروعًا ومن الحلم واقعًا ومن التحدي فرصةً تفتح أبواب المستقبل وفي عالمٍ يتغير كل يوم، لم يعد السؤال: من يملك الإمكانات؟
بل أصبح: من يملك الرؤية؟
ومن يملك الشجاعة ليبدأ؟
ومن يملك الصبر ليواصل؟
فالنجاح لا يمنح وسامًا لمن انتظر بل لمن بادر ولا يكتب اسمه في سجل الخالدين إلا أولئك الذين آمنوا بأن المستحيل كلمة يرددها العاجزون بينما يكتبها الطموحون في سجل الممكن.
وفي الختام تذكر أن الإنسان لا يُقاس بما جمع بل بما منح ولا بما قال بل بما فعل ولا بعدد الأيام التي عاشها بل بما زرعه فيها من خير وما تركه بعدها من أثر فاجعل طموحك أكبر من مخاوفك وأسمى من مصالحك وأعمق من رغباتك العابرة واجعل غايتك أن تكون لبنةً في بناء وطنك ونورًا في طريق غيرك ورسالةً ترويها الأيام للأجيال.
فالطموح ليس طريقًا إلى النجاح فحسب بل هو طريق إلى الخلود في ذاكرة الحياة؛ لأن الزمن ينسى العابرين لكنه لا ينسى الذين جعلوا من أحلامهم واقعًا ومن واقعهم مجدًا ومن مجدهم إرثًا يبقى ما بقيت الحياة.
موفق عبدالحليم ابودلبوح




