القلعة نيوز: ماهرةالبطوش
في كل عام تتخرج أعداد كبيرة من طلبة كليات الحقوق، ويحمل كل واحد منهم شهادة في القانون، ثم تتعدد بعد ذلك مساراتهم؛ فمنهم من يتجه إلى المحاماة، ومنهم من يختار القضاء أو النيابة أو الوظيفة العامة، ومنهم من يتجه إلى القطاع الخاص أو العمل الأكاديمي، وقد يختار آخرون مجالات لا ترتبط بصورة مباشرة بالعمل القانوني. ومع هذا التعدد في المسارات، يبقى أمر مشترك يجمعهم جميعاً، وهو أنهم أصبحوا من حملة المعرفة القانونية، وأن هذه المعرفة ستجعلهم في مواضع مختلفة محل سؤال أو استشارة أو طلب رأي من الآخرين.
ومن هنا أطرح فكرة أراها جديرة بالنقاش، وهي أن يكون أداء اليمين القانونية أمراً واجباً على كل من يحصل على درجة جامعية في القانون، دون أن يرتبط ذلك بممارسة مهنة المحاماة أو الانتساب إلى نقابة المحامين.
فالتشريع الأردني في وضعه الحالي ربط اليمين القانونية بممارسة مهنة المحاماة؛ إذ تلزم المادة (23) من قانون نقابة المحامين النظاميين المحامي الذي يسجل اسمه لأول مرة في سجل المحامين الأساتذة بأداء اليمين أمام وزير العدل بحضور نقيب المحامين أو عضوين من مجلس النقابة. وهذا تنظيم يتعلق بمهنة المحاماة ومسؤولياتها المهنية، ولا خلاف على ضرورته.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: ماذا عن خريج القانون الذي لن يصبح محامياً؟
ماذا عن ذلك الخريج الذي يعمل في مؤسسة أو شركة، أو في وظيفة عامة، أو في مجال إداري أو مالي، أو حتى في مجال بعيد عن المهن القانونية، ثم يجد نفسه بحكم دراسته أمام قريب أو صديق أو زميل يسأله عن حق أو التزام أو إجراء قانوني؟ وماذا لو عرض عليه أحدهم واقعة شخصية أو عائلية أو مالية طالباً منه المشورة أو الرأي؟ وهل تنتهي مسؤولية المعرفة القانونية عند حدود الوظيفة التي اختارها الخريج؟
في تقديري، الإجابة لا ينبغي أن تكون كذلك.
فخريج القانون، بمجرد أن يحمل هذه الصفة العلمية، يصبح صاحب معرفة قانونية قد يُعوّل عليها الآخرون، وقد يمنحونه ثقة خاصة، وربما يضعون بين يديه معلومات تتصل بحياتهم الخاصة أو أموالهم أو علاقاتهم أو منازعاتهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى عهد واضح يضبط هذه المعرفة ويجعلها مقرونة بالمسؤولية.
ولهذا، فإن اليمين المقترحة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن يمين المحامي، ولا أن تمنح خريج القانون أي صلاحية مهنية حصرها القانون بالمحامين، وإنما تكون يميناً علمية وأخلاقية ومهنية مستقلة، يؤديها الخريج باعتباره حاملاً للمعرفة القانونية، قبل أن ينتقل من مقاعد الجامعة إلى الحياة العملية.
ويمكن أن تقوم هذه اليمين على احترام الدستور والقانون، والالتزام بالنزاهة والأمانة، وعدم استغلال المعرفة القانونية للإضرار بالآخرين، والمحافظة على الأسرار والمعلومات التي يطلع عليها بحكم علمه أو ما يقدمه من مشورة، واحترام حقوق الأفراد وحرياتهم، وألا ينتحل صفة مهنية لا يملكها، وأن يدرك دائماً أن المعرفة القانونية مسؤولية قبل أن تكون ميزة.
وتبقى سرية هذه المعلومات من أهم ما ينبغي أن تتضمنه هذه اليمين؛ لأن خريج القانون قد يجد نفسه في مواقف لا تقل فيها حساسية المعلومات التي تصل إليه عن تلك التي تصل إلى المحامي، حتى وإن لم يكن يمارس المحاماة. فالناس قد يلجؤون إليه لثقتهم بمعرفته، وقد يضعون أمامه أموراً خاصة لا يرغبون في أن تصل إلى غيره.
لذلك، فإن المحافظة على السر ينبغي أن تتحول من مجرد فضيلة شخصية إلى قيمة راسخة في الوعي القانوني منذ لحظة التخرج. فالخريج الذي يقسم على الأمانة والسرية والنزاهة يدرك أن القانون لا يقوم على حفظ النصوص وترديدها، وإنما على فهمها وتحليلها وإدراك مقاصدها وآثارها، وحسن توظيفها بمسؤولية وأمانة.
وقد يكون من المناسب أن تتبنى الجامعات وكليات الحقوق هذا التوجه، بحيث يكون التخرج مناسبة لأداء هذه اليمين أمام جهة أكاديمية أو رسمية مختصة، في مشهد يربط سنوات الدراسة بالمبادئ التي يفترض أن يحملها الخريج معه. ولا أرى في ذلك ترفاً شكلياً، بل وسيلة تربوية وقانونية تذكره بأن القيم التي أقسم عليها ينبغي أن ترافقه مهما تغيرت وظيفته أو موقعه.
وأرى أن هذا التوجه يستحق أن يتحول إلى إطار تشريعي وأكاديمي واضح، يحدد طبيعة اليمين وآثارها وحدودها، مع الإبقاء على استقلالها الكامل عن يمين المحامي واختصاصاته المهنية. فخريج القانون قد لا يرتدي ثوب المحاماة، وقد لا يقف يوماً أمام قاضٍ، لكنه سيبقى حاملاً لفكر قانوني يضعه في موضع ثقة ومسؤولية.
فالشهادة تمنح خريج القانون صفة، أما اليمين فتمنحه عهداً؛ عهدٌ بأن تكون معرفته أمانة، وفهمه للقانون مسؤولية، وسلوكه انعكاساً للقيم التي حمل اسم القانون من أجلها.




