شريط الأخبار
وزير الثقافة يلتقي السفر الجزائري في عمّان إصابة 73 شخصا بهجمات حوثية على السعودية.. والتحالف يتوعد بالردع محافظة: المرحلة الثانوية 3 سنوات ولا تغيير على نظام الامتحان العام للتوجيهي أزمة مضيق هرمز مستمرة .. وإيران تهدد أميركا بـ"حرب اقتصادية" الأردن يدين افتتاح سفارة جمهورية ناورو في القدس النائب طهبوب تسأل عن "فرح": فزلكة ام فعالية؟ الخلايلة: استثناء تعيينات حراس المسجد الأقصى من هيئة الخدمة كنعان: العدوان على غزة شاهد على جريمة الاحتلال ضد الإنسان والتعليم البرلمان العربي يدين اعتداءات ميليشيا الحوثي ضد السعودية تعاون سياحي أردني فلسطيني لتعزيز الشراكات وتبادل الخبرات مجموعة الحوراني وأمنية تُطوّران شراكة ممتدة منذ 2010 لدعم التحول الرقمي الصبيحي لأصحاب العمل: "شغّلوهم ولا تشملوهم" إنجاز دولي جديد لجامعة عمّان الأهلية في مجال البصريات وصحة العيون مندوبًا عن الرواشدة ... العياصرة يرعى انطلاق فعاليات ملتقى الشارقة للسرد في دورته الثانية والعشرين بالمكتبة الوطنية ( صور ) أديداس تعتذر... عميرة هاس: إسرائيل تهيئ لتهجير جماعي للفلسطينيين.. و«محوهم» يتحول إلى مسار عملي حين يكتب الجوع شهادة إدانة بين قسوة القانون وعدالة الرحمة في قضية علبتي التونة إلى الجهات المعنية... أسئلة للنقاش لا الاتهام الكشف عن مخطط لإقامة فندق في سلوان وتحذير من ارتباطه بالتوسع الاستيطاني محافظة: " BTEC" مسار مهني قائم على المشاريع ويتيح للطالب العمل أو الالتحاق بالجامعة

الأميرة بسمة بنت طلال … حين يتحوّل العطاء إلى رسالة ، والعمل الإنساني إلى إرثٍ وطني :

الأميرة بسمة بنت طلال … حين يتحوّل العطاء إلى رسالة ، والعمل الإنساني إلى إرثٍ وطني :
الدكتور نسيم أبو خضير
هناك شخصياتٌ لا تُقاس مسيرتها بعدد المناصب التي شغلتها ، ولا بعدد المناسبات التي حضرتها ، وإنما تُقاس بما تركته من أثرٍ في حياة الناس ، وما زرعته من أملٍ في نفوسهم ، وما أسسته من مؤسساتٍ ومبادرات ، وما قدمته للوطن والمجتمع والإنسان .
ومن هذه الشخصيات التي إرتبط إسمها في الأردن ، وعلى مدى عقودٍ طويلة ، بالعمل الإنساني والإجتماعي والتنموي ، وتمكين المرأة ، ورعاية الأسرة والطفولة ، وخدمة المجتمعات المحلية ، صاحبة السمو الملكي الأميرة بَسْمَة بنت طلال ، التي إختارت أن يكون حضورها بين الناس وفي الميدان ، وأن تجعل من العمل الإنساني رسالةً تتجاوز حدود المناسبة إلى بناء الإنسان والمؤسسة .
إن الحديث عن الأميرة بسمة بنت طلال ليس حديثاً عن شخصيةٍ عامةٍ فحسب ، بل هو حديثٌ عن مسيرةٍ طويلة من العطاء المؤسسي والتطوعي والإنساني ، تركت سموها خلالها بصماتٍ واضحة في العديد من المجالات ، وأسهمت في تحويل العمل الإجتماعي من مجرد مبادراتٍ متفرقة إلى مشاريع وبرامج ومؤسسات ذات أثرٍ مستدام .
من العطاء الفردي إلى العمل المؤسسي :
من أبرز ما يميز تجربة الأميرة بسمة ، أنها لم تنظر إلى العمل الإنساني بإعتباره مجرد تقديم مساعداتٍ للفقراء والمحتاجين ، وإنما آمنت بأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى من يعطيه ، بل يحتاج إلى من يساعده على إمتلاك القدرة على الوقوف على قدميه .
ومن هنا جاء إهتمامها بالتنمية البشرية ، وتمكين المجتمعات المحلية ، وبناء قدرات الأفراد ، وفتح أبواب التعليم والتدريب والعمل أمام الفئات الأقل حظاً .
وقد ارتبط إسم سموها بصورةٍ خاصة بالصندوق الأردني الهاشمي للتنمية البشرية «جُهد» ، الذي تأسس عام 1977 ، وتطور على مدى السنوات إلى مؤسسة تنموية واسعة الحضور في مختلف مناطق المملكة .
وهنا تكمن إحدى أهم سمات تجربة الأميرة بسمة ، وهي الإنتقال من مفهوم المساعدة إلى مفهوم التمكين ، ومن تقديم الحل المؤقت إلى بناء القدرة على مواجهة المستقبل .
حملة البر والإحسان … مدرسةٌ أردنية في التكافل والعطاء :
ومن المحطات المهمة التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن المسيرة الإنسانية للأميرة بسمة بنت طلال ، حملة البر والإحسان ، التي أصبحت على مدى سنوات عنواناً بارزاً من عناوين التكافل الأجتماعي والوصول إلى الأسر المحتاجة في مختلف مناطق المملكة .
وقد كان لسمو الأميرة بسمة دورٌ بارز في دعم هذه الحملة وتوجيهها نحو الإنسان الأردني ، وخاصة الأسر التي تعاني من ظروف إقتصادية واجتماعية صعبة ، والنساء المعيلات ، والأطفال ، والفئات الأقل حظاً .
ولم تكن أهمية الحملة في حجم المساعدات التي تقدمها فحسب ، وإنما في فلسفة العمل التي قامت عليها ، والمتمثلة في الوصول إلى المحتاج ، والحفاظ على كرامته ، وتقديم العون له دون أن يشعر بأنه وحيد في مواجهة ظروف الحياة .
فحين تصل قافلة الخير إلى قريةٍ أو منطقةٍ نائية ، فإنها لا تحمل معها مواداً عينية أو مساعداتٍ مالية فقط ، وإنما تحمل رسالةً تقول لكل أسرةٍ محتاجة ، إن المجتمع لم يتخلَّ عنكم ، وإن هناك من يسمع صوتكم ، ويشعر بمعاناتكم ، ويؤمن بأن لكم حقاً في حياةٍ كريمة .
وقد أسهمت حملة البر والإحسان في ترسيخ مفهوم الشراكة المجتمعية في العمل الخيري ، من خلال التعاون مع مؤسسات وقطاعات مختلفة ، وتحويل قيم التكافل والإحسان من مشاعر فردية إلى جهدٍ جماعي منظم .
وهنا تبرز القيمة الحقيقية لدور الأميرة بسمة ، فهي لم تكن تنظر إلى البر والإحسان بإعتباره موسماً من مواسم العطاء ، وإنما بإعتباره ثقافةً وطنية ومسؤوليةً إجتماعية مستمرة .
الحملة الوطنية للنوايا الحسنة … عندما يصبح التكافل عملاً منظماً
ومن العلامات البارزة في مسيرة سموها كذلك الحملة الوطنية للنوايا الحسنة ، التي أطلقت عام 1991 ، وأصبحت نموذجاً للعمل الإنساني القائم على الشراكة والتكافل .
فقد جمعت هذه الحملة بين المؤسسات الرسمية والأهلية ، والقطاع الخاص ، والأطباء ، والجامعات ، والبنوك ، والعديد من المؤسسات والجهات الوطنية ، بهدف الوصول إلى الأسر والفئات التي تحتاج إلى الدعم .
ولم تقتصر جهود الحملة على المساعدات المباشرة ، بل شملت مجالاتٍ متعددة ، من بينها الرعاية الصحية ، وتأمين السكن ، والمنح التعليمية ، والمساعدات العينية ، ودعم المشاريع وسبل العيش .
وهذا هو الفرق بين العمل الخيري العابر والعمل الإنساني المؤسسي ، فالأول قد يرتبط بموسمٍ أو مناسبة ، أما الثاني فيبني منظومةً تستمر ، وتكبر ، وتصل إلى الإنسان حيثما كان .
الأميرة بسمة وقضية المرأة … إيمان بأن المرأة شريكٌ في بناء الوطن .
ولعل من أكثر الملفات حضوراً في مسيرة الأميرة بسمة بنت طلال ، قضية المرأة وتمكينها .
فقد آمنت سموها بأن الحديث عن تقدم المجتمع لا يمكن أن يكتمل ، إذا بقي نصف المجتمع بعيداً عن المشاركة الفاعلة في التنمية وصناعة القرار .
ومن المبادرات المهمة في هذا المجال ، تأسيس اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة عام 1992 ، التي أصبحت إحدى المؤسسات الوطنية المعنية بقضايا المرأة ، والعمل على تطوير السياسات والتشريعات التي تعزز مشاركتها وحقوقها .
كما أسست سموها عام 1995 تجمع لجان المرأة الوطني ، الذي امتد نشاطه إلى مختلف محافظات المملكة ، وسعى إلى جعل المرأة شريكاً حقيقياً في عملية التنمية.
الإنسان أولاً … المرأة والطفل والشباب وذوو الإعاقة
ولا يمكن إختزال تجربة الأميرة بسمة في قضية المرأة وحدها ، فقد إمتدت إهتماماتها إلى الأطفال والشباب ، والأشخاص ذوي الإعاقة ، والصحة ، والتعليم ، والبيئة ، والأمن الغذائي ، والتنمية المستدامة .
ومن المبادرات التي تعكس هذا الإهتمام مسابقة الملكة علياء للمسؤولية الإجتماعية ، التي هدفت إلى تعزيز الوعي المجتمعي بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة ، وتغيير النظرة النمطية تجاههم ، والتأكيد على أنهم شركاء في المجتمع .
من الأردن إلى العالم
ولم يتوقف حضور الأميرة بسمة عند حدود الوطن ، فقد حملت قضايا التنمية والمرأة والطفل إلى العديد من المحافل العربية والدولية ، وشغلت أدواراً دولية في مجال التنمية وتمكين المرأة والسكان .
وكان حضورها الدولي إمتداداً طبيعياً لتجربتها الأردنية ، حيث قدمت نموذجاً للعمل التنموي الذي يقوم على الشراكة ، وتمكين الإنسان ، وبناء المؤسسات .
الأميرة بسمة … مدرسة في العمل التطوعي والإنساني .
إذا أردنا أن نختصر هذه المسيرة الطويلة في عبارة واحدة ، فيمكن القول :
لقد ساهمت الأميرة بسمة بنت طلال في تحويل العمل الإنساني من مجرد إستجابةٍ للحاجة إلى مشروعٍ لبناء الإنسان ، ومن مبادراتٍ موسمية إلى عملٍ مؤسسي ، ومن تقديم المساعدة إلى تمكين الإنسان .
وفي حملة البر والإحسان تحديداً ، تتجلى صورةٌ مشرقة لهذا النهج ، حيث يصبح العطاء جسراً بين القادر والمحتاج ، وتصبح الشراكة المجتمعية وسيلةً لحماية كرامة الإنسان ، ويصبح الوصول إلى المناطق والفئات الأقل حظاً واجباً وطنياً لا منّةً ولا فضلاً .
بصمةٌ ستبقى في ذاكرة الوطن
إن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد سنوات العمل الطويلة ، ليس منصباً ولا لقباً ، وإنما أثراً يبقى في حياة الآخرين .
والأميرة بسمة بنت طلال تركت أثراً في أكثر من إتجاه ، امرأةً تم تمكينها ، وطفلاً تمت رعايته ، وأسرةً وصلت إليها يد الخير ، وشاباً حصل على فرصة ، ومجتمعاً محلياً تعززت قدرته ، ومؤسسةً وُلدت لتواصل رسالتها .
ولهذا فإن الحديث عن سمو الأميرة بسمة هو حديثٌ عن صفحةٍ مهمة من صفحات العمل الإنساني والإجتماعي في الأردن ، وعن تجربةٍ أثبتت أن العمل التطوعي حين يصبح مؤسسياً ، يصبح أكثر قدرةً على الإستمرار ، وحين يرتبط بالتنمية ، يصبح أكثر قدرةً على تغيير حياة الناس .
الأميرة بسمة بنت طلال … إسمٌ إرتبط بالعطاء ، وحضورٌ ارتبط بالإنسان ، ومسيرةٌ إرتبطت بالمؤسسة ، ورسالةٌ عنوانها أن خدمة الإنسان ليست ترفاً ، وإنما مسؤوليةٌ وطنية وأخلاقية .
وفي وطنٍ عُرف بالتكافل والتراحم ، تبقى حملة البر والإحسان وغيرها من المبادرات الإنسانية شاهدةً على أن الخير في الأردن ليس فعلاً عابراً ، وإنما ثقافةٌ راسخة ، وأن أجمل ما يمكن أن نقدمه لبعضنا بعضاً هو أن يشعر المحتاج بأنه ليس وحده ، وأن كرامته محفوظة ، وأن وطنه يقف إلى جانبه .
تلك هي البصمة التي لا تمحوها السنوات ، وتلك هي قيمة العمل حين يتحول من مبادرةٍ إلى مؤسسة ، ومن فكرةٍ إلى رسالة ، ومن عطاءٍ مؤقت إلى إرثٍ إنساني مستمر .