القلعة نيوز- يشبه محبو الشتاء المطر، بلغة تنطق بها السماء وهي تهمس في أذن الأرض، فتغسلها لترتدي حلة قشيبة، تزهو بطيف لوني ساحر، ليحل الربيع، بوصفه بهجة الدنيا التي بث الماء في أوصالها الحياة.
ويؤكد متخصصون في علم النفس، أن هناك من يرتبط لديهم الشتاء بغياب الشمس ودفئها فيعزز الميول للاكتئاب وتميل النفس للعزلة والانطواء، على أن فريقا ثالثا يرى، أن تداول الفصول من سنن الكون وأن تقلبات النفس رهينة بصاحبها الذي يستطيع التكيف مع سنن الحياة.
ولأن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، يوصي المتخصصون عبر أحاديثهم لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، بالتفكير الإيجابي الذي يكسر أغلال الاكتئاب الشتوي وعزلته، بالقراءة والتفكير الإيجابي وتعزيز التواصل الأسري والاجتماعي، وتنفيذ نشاطات مفيدة للمجتمع، وغيرها من السبل للاستمتاع بأوقاتهم.
ولفتوا إلى أن الاضطراب العاطفي الموسمي يبدأ وينتهي في الأوقات نفسها تقريبا كل عام.
ويقول مدير المركز الوطني للصحة النفسية الدكتور محمد الطعاني، إن التأثير النفسي للشتاء ينتج بفعل انخفاض فترة التعرض لأشعة الشمس، ما يؤدي إلى نقص السيروتونين والميلاتونين، اللذين يؤسسان مزاجا منخفضا وخمولا ونعاسا وقلة الدافعية، فضلا عن ظهور ما يعرف بـ (الاضطراب العاطفي الموسمي) وهو نوع من الاكتئاب يرتبط بتغير الفصول، حيث تبدأ الأعراض عادة في الخريف والشتاء مع قلة ضوء النهار وتزول في الربيع والصيف، وتعرف بـ "كآبة الشتاء" أو "اكتئاب الشتاء"، إضافة إلى زيادة القلق أو الاجترار الفكري، بسبب قلة الأنشطة الخارجية.
وأضاف إن التأثير الاجتماعي فيظهر في الميل إلى تقليل المشاركة في الفعاليات العامة وضعف المبادرات الاجتماعية مقارنة بالصيف.
ويرى أن معالجة هذه التقلبات تكون بتنظيم الروتين اليومي (نوم – طعام – نشاط)، والتعرض للضوء الطبيعي قدر الإمكان، والحفاظ على التواصل الاجتماعي بشكل مخطط، والاهتمام بالتغذية، خصوصا تناول فيتامين "دال" و "أوميغا3".
وأوضح أن هناك أنشطة مناسبة للشتاء، مثل الرياضة المنزلية أو في النوادي المغلقة، والقراءة، والتعلم الذاتي، الدورات الإلكترونية وأنشطة عائلية، مثل جلسات الحوار والألعاب الجماعية والتطوع في توزيع المساعدات الشتوية لمحتاجيها.
وأشار الطعاني إلى أن الرياضة تعد علاجا نفسيا مهما، حيث تحفز إفراز الإندورفين، فتحسن المزاج، إضافة إلى السيروتونين الذي يعد مضادا للاكتئاب، كما تقلل من التوتر والقلق وتعزز الشعور بالإنجاز والسيطرة الذاتية، وأنه يمكن ممارسة الرياضة بين 20 -30 دقيقة يوميا ليكون لها الأثر الواضح على الجسم والنفس.
من جانبه، يرى أستاذ علم النفس في الجامعة الأردنية الدكتور فراس الحبيس، أن بعض الناس يتأثرون بالشتاء إيجابيا وهم يستبشرون به، ويرون قطرات المطر ضحكات السماء النازلة إلى الأرض، حيث أن هناك من يشعر بالسعادة مع زخات المطر وبرودة الطقس، فيستدفئ قرب المدفأة أو موقد النار، وهو ما يوصف بارتباط شرطي بين هطول المطر والشعور بالدفء، أما آخرون فيرتبط لديهم الشتاء بتكدر المزاج والقلق والشعور بالضيق.
وأشار إلى أن نوع اللباس يؤثر على النفسية، حيث أن اللباس الخفيف يريح البعض، بينما يشعر آخرون أن اللباس الثقيل يكدر عليهم حياتهم.
ومن ناحية العادات اليومية، لفت إلى أن بعض الأطفال خلال الشتاء والمطر يقضون وقتهم في أماكن مغلقة بدلا من ممارسة الأنشطة الرياضية أو الحركية، ويلجأون إلى الألعاب الإلكترونية عامة أو إلى وسائل التواصل الاجتماعي أو التلفاز.
وأضاف إن من الآثار النفسية الأخرى لفصل الشتاء طول فترة الليل، حيث تكون الفرص كبيرة خلال الليل للقيام بأنشطة ترفيهية داخل المنزل، ما يزيد من التواصل الاجتماعي بين أفراد الأسرة ويعزز التوافق الأسري، مقارنة بفصول أخرى.
وأشار الحبيس، إلى أن طول البقاء في البيت يساعد على القيام بمهام منزلية مفيدة مثل: ترتيب الأثاث وتنظيم الأشياء والقيام بأعمال تحتاج وقتا وتركيزا لا تتاح غالبا في فصول النشاط الخارجي، فهذه الانشغالات المنزلية قد تمنح شعورا بالإنجاز والراحة النفسية لبعض الأفراد وتدعم الروابط العائلية عبر قضاء وقت مشترك.
بدورها، قالت مديرة مركز الملكة رانيا العبدالله للدراسات التربوية والنفسية في جامعة مؤتة الدكتورة وجدان الكركي، إن فصل الشتاء يرتبط باجتماع الأسرة وذكريات الطفولة وانهمار الغيث، ما يؤثر عادة بشكل إيجابي على الصحة النفسية للإنسان، إلا أن قصر ساعات النهار واحتجاب ضوء الشمس بسبب الغيوم قد يسبب تكدر مزاج بعض الأفراد.
وأضافت إن ضوء الشمس يسهم في إفراز "النواقل العصبية" التي تسبب السعادة والسرور، ولمعالجة الآثار السلبية لعدم التعرض للشمس لوقت كاف، ينصح بالتعرض لها في الأيام التي تظهر فيها الشمس والتعرض للضوء الصناعي، كبديل عن ضوء الشمس الطبيعي، أو وضع صور تحتوي على صورة شمس مضيئة باللون الأصفر داخل المنزل.
ودعت الكركي إلى قضاء وقت أطول مع الأسرة خلال الشتاء، واللجوء للتمارين الرياضية وتمارين التنفس والاسترخاء وأخذ حمام دافئ وتناول المشروبات الدافئة، والتركيز على التغذية الصحية وضرورة تنظيم الوقت واستغلال الوجود في المنزل في تنمية الهوايات المختلفة، كالرسم والطبخ والرياضة والقراءة والألعاب الجماعية، وتعزيز التكافل الاجتماعي والنشاطات التطوعية.
--(بترا)




