الدكتور نسيم أبو خضير
في لحظةٍ تاريخية تتكاثر فيها التحديات ، وتتسارع فيها التحولات السياسية والإقتصادية والتكنولوجية ، لم يعد الإعلام ترفًا ولا هامشًا ، بل غدا أحد أعمدة الأمن الوطني ، وركنًا أصيلًا من أركان التحديث الشمولي ، ورافعةً إستراتيجية في بناء الدولة وصيانة وعي المجتمع .
ومن هنا ، فإن تمكين مؤسسات الصحافة والإعلام الأردنية لم يعد خيارًا ، بل ضرورة وطنية تمليها متطلبات المرحلة ، وحجم الإستهداف ، وتعقيد المشهد الإقليمي والدولي .
إن مشروع التحديث الشمولي الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني ، سياسيًا وإقتصاديًا وإداريًا ، لا يمكن أن يكتمل دون إعلامٍ وطني مهني ، قادر على :
_ شرح الرؤى والسياسات العامة بلغة قريبة من الناس .
_ تحويل الخطط الوطنية إلى وعي مجتمعي يشارك في حملها والدفاع عنها .
_ خلق حالة من الحوار المسؤول بين صانع القرار والمواطن .
فالإعلام هنا ليس تابعًا ، بل شريكًا فاعلًا ، يُنير الطريق ، ويُصحّح المفاهيم ، ويمنع الفراغ الذي تتسلل منه الإشاعة والتضليل .
إن تمكين الإعلام يبدأ من الإيمان بدوره ، ويُترجم إلى سياسات عملية ، من أبرزها :
_ التمكين التشريعي
من خلال تطوير قوانين الإعلام بما يضمن حرية مسؤولة ، تحمي الصحفي ولا تحمي الخطأ ، وتُحصّن الكلمة دون أن تُفلتها من واجبها الأخلاقي والوطني .
_ التمكين الإقتصادي
عبر دعم إستدامة المؤسسات الإعلامية ، وإيجاد نماذج تمويل حديثة ، بعيدًا عن الإرتهان والإضعاف ، فالإعلام الضعيف إقتصاديًا لا يمكن أن يكون قويًا مهنيًا .
_ التمكين المهني والتقني
وذلك بتحديث غرف الأخبار ، وتوفير أدوات الصحافة الرقمية ، والذكاء الإصطناعي ، وتحليل البيانات ، ليكون الإعلام الأردني منافسًا لا متلقيًا .
_ التمكين المعنوي
من خلال الإعتراف بالإعلام كشريك في الإنجاز ، لا كمجرد ناقل أو متلقٍ للتوجيه .
ثالثًا : الإعلام شريك في صنع القرار الوطني
الإعلام القوي لا يقف على أبواب القرار ، بل يساهم في تشكيله عبر :
نقل نبض الشارع بموضوعية ومسؤولية .
_ تسليط الضوء على الإختلالات دون تهويل أو تصفية حسابات .
_ تقديم التحليل الرصين القائم على المعلومة لا الانطباع .
وحين يُحسن الإعلام أداء هذا الدور ، يصبح جسر ثقة بين المواطن والدولة ، لا ساحة صراع أو تشكيك .
رابعًا : صيانة الوعي … خط الدفاع الأول
في زمن الحروب الهجينة ، والأخبار الزائفة ، وحملات التشويه ، يصبح الإعلام الوطني خط الدفاع الأول عن الوعي الجمعي .
فهو :
_ يواجه الإشاعة بالمعلومة .
_ ويقابل التحريض بالعقل .
_ ويُوازن بين النقد والبناء .
وبذلك يكون رديفًا حقيقيًا لأجهزة الدولة ، لا يقل عنها أهمية في حماية الإستقرار ، وترسيخ الإنتماء ، وتعزيز الثقة .
خامسًا : الإعلام والمجتمع… شراكة لا وصاية
الإعلام الوطني لا يعلو على المجتمع ، ولا ينعزل عنه ، بل يتكامل مع قواه الحية :
النقابات .
الجامعات .
الشباب .
مؤسسات المجتمع المدني .
لينقل رسالتنا الوطنية ، ويعكس الصورة الحقيقية والمشرّفة عن الأردن : دولة القانون ، والإعتدال ، والحكمة ، والمواقف الثابتة ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ، والدفاع عن القدس ، وإحترام الإنسان .
برامج تدريبية مقترحة لتمكين الإعلام الأردني :
1. برنامج الإعلام والتحديث الشمولي
الهدف : تأهيل الإعلاميين لفهم مشاريع التحديث الوطني.
المحاور :
الرؤية الملكية للتحديث .
دور الإعلام في شرح السياسات العامة .
تحويل الخطط إلى خطاب إعلامي مؤثر .
2 . برنامج الأمن الإعلامي ومواجهة الإشاعة
الهدف : تحصين الإعلام ضد الحروب النفسية والمعلومات المضللة .
المحاور :
تحليل الأخبار الزائفة .
إدارة الأزمات الإعلامية .
الإعلام كجزء من منظومة الأمن الوطني.
3 . برنامج الصحافة الرقمية والذكاء الإصطناعي
الهدف : تحديث أدوات العمل الصحفي .
المحاور :
صحافة البيانات .
إستخدام الذكاء الإصطناعي في التحرير والتحقق .
إدارة المنصات الرقمية بإحتراف .
4 . برنامج أخلاقيات الإعلام والمسؤولية الوطنية
الهدفز: تعزيز التوازن بين الحرية والمسؤولية .
المحاور :
أخلاقيات المهنة .
الخطاب الإعلامي في القضايا الحساسة .
الإعلام وبناء الثقة المجتمعية .
5 . برنامج إعداد الناطقين الإعلاميين
الهدف : توحيد الرسالة الرسمية ورفع كفاءة التواصل .
المحاور :
مهارات الظهور الإعلامي .
إدارة المؤتمرات الصحفية .
الإتصال الإستراتيجي في الأزمات .
إن تمكين الإعلام الأردني ليس دعمًا لقطاعٍ بعينه ، بل إستثمار ٌ في إستقرار الدولة ، ونضج المجتمع ، ونجاح مشروع التحديث الوطني .
فإعلام قوي يعني وعيًا محصنًا ، ووعيٌ محصن يعني وطنًا أكثر صلابة .
الإعلام الأردني حين يُمكَّن ، لا يكون صدىً للأحداث ، بل صانعًا للوعي ، وشريكًا في القرار ، وحارسًا أمينًا على صورة الأردن ومكانته ورسـالته .



