شريط الأخبار
توقيف 3 أشخاص استولوا على 218 ألف دينار بحكم وظائفهم الملك يرافقه ولي العهد يزور القيادة العامة للقوات المسلحة الرواشدة يلتقي في المنامة رئيس هيئة البحرين للثقافة والآثار النواب يقر 4 مواد من مشروع معدل لقانون الكاتب العدل "فيتش": الأردن يحافظ على استقراره الاقتصادي بفضل الإصلاحات اشتباكات عنيفة بين قسد والجيش السوري جنوب كوباني "النقل البري": الموافقة على 15 طلبا لشركات تعمل على التطبيقات الذكية العموش يدعو لإطلاق حملة "سلموهم لنحميهم" لمعالجة إدمان المخدرات أبو غوش تطالب بإيعازين حكوميين للحد من المخدرات نواب يطالبون بتغيير اسم "كاتب العدل" في القانون القاضي للنواب: التزموا بالنظام الداخلي تسجيل 124 براءة اختراع في الأردن خلال 2025 الخوالدة: نحن بحاجة لتعديلات عاجلة الأردن يعزّز دعمه لقطاع الطاقة السوري باتفاقية تزويد دمشق بالغاز الطبيعي العاصفة الشتوية بأميركا تواصل تعطيل آلاف الرحلات الجوية حتى اليوم الأردن يشارك في ندوة السلامة والصحة المهنية في الرياض المنطقة العسكرية الشرقية تحبط محاولة تهريب مواد مخدرة بواسطة بالونات الملكية لشؤون القدس: قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين و"الأونروا" حبر على ورق "الهيئة الهاشمية" تواصل تنفيذ مشاريع توزيع الخبز داخل قطاع غزة عملية نوعية لمريض في مقلة العين بمستشفى الملك المؤسس

الفاهوم يكتب : حين يتحوّل الاستقرار إلى سؤال إقصائي

الفاهوم يكتب : حين يتحوّل الاستقرار إلى سؤال إقصائي
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
لم يعد الرفض في المقابلات الوظيفية مقصورًا على ضعف الكفاءة أو نقص الخبرة، بل أصبح في حالات متزايدة نتيجة مفارقة أكثر تعقيدًا، تتمثل في طول الاستقرار الوظيفي ذاته. أن يمضي محترف أكثر من عقد في مؤسسة واحدة لم يعد، كما كان في السابق، دلالة تلقائية على الالتزام والجدارة، بل بات يُستقبل أحيانًا بعين الشك، وكأن الزمن الطويل تحوّل من رصيد إلى سؤال إقصائي يحتاج إلى تبرير. هذه الظاهرة لا تعكس بالضرورة خللًا في الفرد، بقدر ما تكشف عن تحوّل عميق في منطق السوق وفي الطريقة التي يُعاد بها تعريف القيمة المهنية.
لسنوات طويلة، ارتبط الولاء المؤسسي بثقافة العمل الجاد، وحفظ المعرفة، والاستقرار الإنتاجي. غير أن سوق العمل المعاصر، خصوصًا بعد تسارع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، لم يعد يقيس الخبرة بامتدادها الزمني، بل بقدرتها على التحوّل والتجدد. السؤال لم يعد متعلقًا بعدد السنوات، بل بما إذا كانت تلك السنوات قد شهدت تغيرًا حقيقيًا في الأدوار، وتوسعًا في المسؤوليات، وتطورًا ملموسًا في أنماط التفكير والمهارات. في هذا السياق، يصبح البقاء الطويل بلا تحوّل سردي واضح أقرب إلى تجربة واحدة ممتدة، لا إلى خبرة متراكمة بالمعنى العميق.
القلق الذي يبديه مسؤولو التوظيف لا ينطلق عادة من رفض العمق المهني، بل من الخشية من ضيق الأفق السياقي. فالعمل في بيئة واحدة لفترة طويلة قد يعني التعرض لنموذج إداري واحد، وثقافة تنظيمية واحدة، وآلية واحدة لاتخاذ القرار. وفي عالم تتغير فيه الأسواق والقطاعات بوتيرة متسارعة، تصبح القدرة على نقل الخبرة من سياق إلى آخر معيارًا أساسيًا للحكم على القيمة المهنية. حين تغيب مؤشرات هذا النقل، يُساء تفسير الاستقرار على أنه افتقار للمرونة، حتى وإن لم يكن ذلك صحيحًا فعليًا.
تزداد هذه الإشكالية تعقيدًا عندما يُقرأ الاستقرار الطويل من زاوية المخاطرة. السوق الحديث يميل إلى مكافأة من خاضوا تحولات مهنية محسوبة، وتعاملوا مع إدارات متعددة، واختبروا أزمات وأسواقًا غير مستقرة. في المقابل، قد يُفهم البقاء الطويل في موقع واحد، في غياب قصة تطور واضحة، على أنه تجنب للتحدي أو اكتفاء بالحد الأدنى من الأداء. هذا الحكم قد يكون قاسيًا أو غير منصف، لكنه يعكس منطقًا سائدًا في بيئة توظيف تعتمد على المؤشرات القابلة للقراءة السريعة، لا على النوايا غير المعلنة.
يتضاعف هذا التوجس مع اتساع الفجوة الرقمية وتسارع التحول التكنولوجي. كثير من المؤسسات التي تحافظ على كوادرها لسنوات طويلة لا تواكب دائمًا الإيقاع السريع للتحديث، ما يخلق افتراضًا ضمنيًا بأن موظفيها أقل احتكاكًا بالأدوات الجديدة أو أقل انغماسًا في مفاهيم الذكاء الاصطناعي والتحليل المتقدم. حتى عندما يكون هذا الافتراض غير دقيق، فإنه يظل حاضرًا في عقل السوق، ويؤثر في قرارات التوظيف بصورة غير مباشرة.
في جوهر المسألة، لا تكمن المشكلة في الولاء ولا في الاستقرار بحد ذاتهما، بل في الصمت المهني الذي قد يرافقهما. حين تمر الأعوام دون إعادة تعريف للدور، أو دون إضافة نوعية للمهارات، أو دون بناء سردية نمو يمكن الدفاع عنها، يتحول الاستقرار من مصدر أمان إلى حالة من التجميد غير المعلن. عند هذه النقطة، لا يعود الحديث عن أمان وظيفي حقيقي، بل عن نسيان مهني تدريجي، لا يشعر به صاحبه إلا عندما يصطدم بجدار السوق.
المعالجة هنا لا تستدعي قرارات متسرعة ولا قفزات عشوائية بين المؤسسات، بل تتطلب وعيًا نقديًا بالمسار المهني وإعادة تقديم الذات بصورة أكثر اتساقًا مع منطق العصر. أن يُعاد بناء الصورة المهنية بحيث تُقرأ السنوات الطويلة بوصفها مسار تطور وتراكم، لا تكرارًا روتينيًا، وأن يُثبت الفرد أن استقراره كان خيارًا واعيًا لإضافة قيمة مستمرة، لا انعزالًا عن التحول. في هذا السياق، تصبح السيرة الذاتية والملف المهني أدوات سرد، لا مجرد توثيق زمني، وتتحول المقابلة من دفاع عن الماضي إلى عرض مقنع للقدرة على الاستمرار في التعلّم.
في النهاية، لا يعاقب السوق الاستقرار في ذاته، لكنه يعاقب الجمود غير المبرر. في زمن تتغير فيه قواعد العمل بوتيرة متسارعة، يصبح تجاهل إعادة تقديم الذات مخاطرة صامتة. فالاستقرار لا يظل قوة إلا عندما يكون مصحوبًا بنمو مستمر وقدرة على التكيف، أما حين ينفصل عن التطور، فإنه يتحول، للأسف، إلى نقطة ضعف غير مرئية لا تظهر إلا في اللحظة التي يقرر فيها السوق إعادة التصنيف.