شريط الأخبار
الحجايا: لن نصمت عن مظالم التعيينات .. وملف لإنصاف أبناء البوادي والقرى بعد خطاب الملك .. " الصفدي يضرب بقوة " الأردن سيواصل فضح الفظائع الإسرائيلية وحشد استجابة دولية لوقفها الأردن يترأس اجتماعًا في الأمم المتحدة بشأن أطفال فلسطين التجارة الأوروبية: خطاب الملك يؤكد ثوابت الأردن تجاه القضية الفلسطينية كيف تناول الاعلام الدولي خطاب الملك في الامم المتحدة ؟ رئيسة جمعية الإخاء الأردنية العراقية : خطاب الملك جسّد المسؤولية التاريخية والإنسانية للأردن تجاه الشعب الفلسطيني الشيخ طراد الجازي الحويطات : حين دوّى صوت الأردن .. لم يعد للصمت مكان رئيس الديوان الملكي يتفقد مشاريع مبادرات ملكية في الزرقاء ويزور مبنى النادي القوقازي وزير الخارجية يعقد اجتماعا مع نظيره المصري في نيويورك الصفدي: إسرائيل ستواصل تقويض فرص السلام ما لم تواجه بردّ دولي رادع إشادات سياسية وشعبية واسعة بخطاب الملك في الأمم المتحدة خطاب الملك يرسم حدودا واضحة بين خيار السلام وحماية أمن الأردن ومصالحه البطريرك ثيوفيلوس الثالث: خطاب الملك يجسد الالتزام بحماية المقدسات وصون المسيحيين الشرع: اقترحت على ترامب منح نيوجيرسي لإسرائيل بدلاً من الجولان الملكة: أطفال فلسطينيون يُقتادون ليلاً ويحتجزون بظروف مروعة .. "الآن أصبحتم تعرفون" أكسيوس: مجلس السلام سيعلن خطة تعاف لغزة بقيمة 2.45 مليار دولار الشرع: على إسرائيل تغيير سياساتها أبناء الصفاوي في البادية الشمالية يثمنون الخطاب الملكي السامي عشيرة البري في البادية الشمالية : خطاب الملك يمثل نبض كل أردني تجارة الأردن : الملك قدم الأردن للعالم دولة يُعتمد عليها ولا تساوم على مبادئها

الجوابرة يكتب : تعليمات صرف الدواء ونقله عن بُعد 2026»

الجوابرة يكتب : تعليمات صرف الدواء ونقله عن بُعد 2026»
«تعليمات صرف الدواء ونقله عن بُعد 2026»:خطر على المريض مؤجّل ام حماية له … ومن هو الصيدلاني في النظام الصحي الحديث وعصر الذكاء الاصطناعي؟
الدكتور محمد عقاب الجوابرة
مع صدور تعليمات صرف الدواء ونقله عن بُعد، يبدو للوهلة الأولى أن مهنة الصيدلة تدخل مرحلة تنظيمية جديدة، وأن الجدل محصور في آليات التوصيل، وضبط الوصفات، وحدود الصلاحيات. غير أن القراءة الأعمق تكشف أن ما يجري ليس مجرد تحديث إجرائي، بل اهتزاز في تعريف المهنة نفسها. نحن أمام لحظة مفصلية، لا تتعلق بكيفية صرف الدواء، بل بسؤال أكبر: من هو الصيدلاني في النظام الصحي الحديث؟
هذه التعليمات لا يمكن فصلها عن السياق العالمي الذي تعيشه الأنظمة الصحية اليوم. أنظمة مثقلة بالكلف، تعاني من ضغط الطلب، ومن أزمات استدامة مالية، ومن تحوّلات ديموغرافية ووبائية متسارعة. في هذا السياق، تصبح الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الصحية أدوات سياسية واقتصادية بقدر ما هي أدوات تقنية. وهي تعيد توزيع الأدوار داخل النظام الصحي، أحيانًا بصمت، وأحيانًا بقوة القانون.
لفهم هذا التحوّل، لا بد من الاعتراف بأن مهنة الصيدلة لم تكن يومًا هوية واحدة ثابتة، بل عاشت تاريخيًا ثلاث هويات متمايزة، لكل منها منطقها وسلطتها وحدودها.
الهوية الأولى هي الهوية التاريخية القديمة، هوية الصيدلاني الحكيم والخبير، قبل الثورة الصناعية. في تلك المرحلة، لم يكن الصيدلاني مجرد مزاول مهنة، بل كان حامل معرفة، وصانع دواء، ومرجعًا علاجيًا. كان جزءًا من النخبة العلمية في المجتمع، يمتلك سلطة معرفية وأخلاقية، و يتخذ فعليًا القرار الصحي. لم تكن الصيدلة وظيفة، بل رسالة علمية ذات بعد إنساني واضح.
ثم جاءت الهوية الثانية مع القرن العشرين، ومع التصنيع الدوائي الضخم، وظهور الشركات متعددة الجنسيات، وتحويل الدواء إلى سلعة استراتيجية داخل الاقتصاد العالمي. هنا بدأ التآكل البطيء للهوية. لم يعد الصيدلاني صانع الدواء، لكنه أيضًا لم يُمنح دورًا قياديًا جديدًا داخل النظام الصحي. نشأت منطقة رمادية: هل هو خبير دوائي مستقل؟ أم منفّذ لوصفة الطبيب؟ أم جزء من سلسلة توريد دوائية تحكمها السوق و التعليمات؟ هذا الغموض لم يكن بريئًا؛ بل خدم منطقًا اقتصاديًا حوّل المهنة تدريجيًا إلى وظيفة تشغيلية، وأفرغها من بعدها المعرفي، حتى بات الصيدلاني في كثير من السياقات يُختزل في صورة "من يصرف الوصفة”.
هذه الهوية الثانية لم تكن هوية مكتملة، بل هوية مأزومة، قامت على ما أُزيل من دور الصيدلاني أكثر مما أُعيد بناؤه. والأنظمة الرقابية ساهمت في تثبيت هذا الاختزال عبر التعامل مع الصيدلاني كعنصر ضبط، لا كفاعل اساسي.
اليوم، تقف مهنة الصيدلة أمام الهوية الثالثة، وهي الهوية التي تمرّ في مخاض عنيف وعميق: هوية الصيدلاني في عصر التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي. هذه الهوية ليست امتدادًا ميكانيكيًا لما سبقها، بل قطيعة معرفية حقيقية. ففي عصر البيانات الضخمة، والوصفات الإلكترونية، والخوارزميات القادرة على تحليل ملايين التداخلات الدوائية، لم يعد القرار الدوائي قرارًا بسيطًا أو خطيًا.
هنا، يصبح الصيدلاني فاعلًا مركزيًا لا غنى عنه. فالذكاء الاصطناعي و ما يصحبه من تحولات، لا يحمل المسؤولية الأخلاقية، ولا يفهم السياق الإنساني، ولا يوازن بين المعايير الاقتصادية والصحية والاجتماعية. إذا من هو الصيدلاني في هذه الهوية الجديدة ؟ هل هو منفّذًا، او هو مُفسّرًا للبيانات، او صاحب سلطة معرفية مدعومة بالتكنولوجيا ؟
سياسيًا واقتصاديًا، هذه الهوية الثالثة مزعجة. فهي تعيد طرح سؤال السلطة داخل النظام الصحي: هل تُترك القرارات للأنظمة الذكية ومنطق الكلفة، أم يُعاد الاعتبار للصيدلاني كصاحب حكم وخبرة؟ دور الصيدلاني هنا ليس مطلبًا نقابيًا، بل اهمية صحية. فالأنظمة التي تحاول خفض الكلفة عبر تهميش الدور المهني للصيدلاني، غالبًا ما تدفع الثمن لاحقًا في الأخطاء، وسوء الاستخدام، وتآكل الثقة العامة.
في هذا الإطار، تعكس تعليمات صرف الدواء ونقله عن بُعد هذا التوتر بوضوح. فهي من جهة تعترف بأن الصيدلاني هو نقطة التحكم الأساسية في الصرف عن بُعد، لكنها من جهة أخرى تحصر هذا الدور في الإطار الرقابي الاحترازي، لا في الإطار المعرفي القيادي. تنظّم الممارسة، لكنها لا تحسم سؤال: هل الصيدلاني مجرد "بوابة أمان”، أم عقل مهني يرسم هندسة النظام الصحي الرقمي؟
إن اختزال الهوية الثالثة للصيدلاني في مجرد الموافقة أو الرفض هو تهميش واضح . فالصيدلاني اليوم قادر أكثر من أي وقت مضى على أن يكون صانع سياسة صحية ، يوازن بين الأدلة العلمية، والتكنولوجيا، والواقع الاقتصادي، واحتياجات المريض.
في النهاية، نحن لا نناقش تعليمات فقط، بل نناقش مستقبل مهنة بأكملها.
إما أن نعيد بناء هوية المهنة الثالثة بوصفها مهنة معرفية قيادية في عصر الذكاء الاصطناعي، أو نسمح بأن تُستكمل عملية الاختزال والتهميش ، ويُعاد تعريف الصيدلاني كعنصر تشغيل داخل نظام رقمي لا يرحم.
السؤال لم يعد مؤجّلًا، ولا نظريًا:
هل يقود الصيدلاني هذا التحوّل او يدار إجحافا بالنيابة عنه ؟