الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
تبدأ رواية «النهايات» للكاتب عبد الرحمن منيف من لحظةٍ تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تخفي في عمقها إرهاصات الانكسار الكبير. تدور أحداثها في قرية صحراوية تُدعى "الطيبة”، حيث يعيش أهلها على إيقاع الطبيعة، في توازنٍ هشّ تحكمه مواسم المطر والزرع. غير أن الجفاف يتسلل ببطء، كقدرٍ صامت، ليهدد هذا الانسجام، فتتراجع ملامح الحياة، ويجد أهل القرية أنفسهم في مواجهة مصيرٍ يضيق يومًا بعد يوم. وفي خضم هذا المشهد، يبرز "عساف”، الصياد الحكيم، بوصفه صوت الخبرة المتراكمة والارتباط العميق بالأرض، قبل أن تنتهي حياته نهايةً مأساوية تتجاوز دلالتها الفرد إلى الجماعة. تتقاطع في الرواية حكايات البشر مع حكايات الكائنات، لتتحول النهاية من حدثٍ عابر إلى سؤالٍ وجودي: كيف تموت الأمكنة؟ وكيف يذوي الإنسان حين تنقطع صلته بجذوره؟
تمضي الرواية في بنائها السردي بعيدًا عن الخطية التقليدية، لتشيّد عالمًا أقرب إلى الواقعية الرمزية، حيث تتداخل الأصوات، وتتجاور الحكايات، في نسيجٍ سردي يهدف إلى الفهم بقدر ما يسعى إلى الحكي. فالجفاف هنا لا يُقدَّم بوصفه ظاهرة طبيعية فحسب، بل امتحانًا أخلاقيًا يكشف معادن الناس، ويضعهم أمام مفترق طرق: إما التمسك بالجذور، أو الانزلاق نحو التفكك.
وفي قراءتها التحليلية، تطرح "النهايات” إشكالية العلاقة بين الإنسان وبيئته، مؤكدةً أن الانفصال عن الطبيعة لا يُفقد الإنسان موردًا ماديًا فحسب، بل يسلبه جزءًا من هويته. فالقرية التي كانت نابضة بتماسكها، تبدأ في التآكل حين يضعف هذا الرابط، وكأن الرواية تُلمّح إلى أن المجتمعات لا تنهار دفعةً واحدة، بل تتفكك تدريجيًا حين تتراجع منظومتها القيمية المرتبطة بالأرض والعمل الجماعي. وهنا، يتحول الجفاف إلى استعارة عميقة لجفافٍ داخلي، جفاف القيم، وتراجع التضامن، وتآكل المعنى.
أما "عساف”، فلا يظهر بطلاً تقليديًا بقدر ما يتجلى بوصفه حاملًا لذاكرة المكان وحكمته. إنه الإنسان الذي يعرف أسرار الصحراء ويقرأ إشاراتها، ويجسد في حضوره توازنًا دقيقًا بين الإنسان وبيئته. لذلك، فإن موته لا يُقرأ كنهاية فردية، بل كاختلال في هذا التوازن، وكأن غيابه يترك فراغًا يتجاوز شخصه ليطال بنية المجتمع بأسره، فتبدو "الطيبة” بعده أكثر هشاشة وأقل قدرة على الصمود.
وتتجلى في الرواية أبعادها القيمية من خلال إعادة الاعتبار لمعنى الانتماء، بوصفه ممارسة يومية لا شعارًا عابرًا. فالانتماء هنا يتجسد في احترام الأرض، وفي العمل المشترك، وفي تحمل المسؤولية تجاه الجماعة. كما تُبرز الرواية قيمة الحكمة الشعبية التي تنبثق من التجربة الحياتية العميقة، في مقابل نزعات التهميش التي قد تطالها، لتؤكد أن المعرفة ليست حكرًا على المؤسسات، بل هي نتاج تفاعل الإنسان مع بيئته وتاريخه.
وفي بعدها التعليمي، يمكن قراءة "النهايات” كنصٍّ استباقي يقدّم درسًا في الاستدامة قبل أن تُصاغ مفاهيمها الحديثة. فهي تضع القارئ أمام نموذجٍ حيٍّ لعلاقة الإنسان ببيئته، وتُحذّر من عواقب الإهمال أو الاستنزاف، مؤكدةً أن الأزمات، مهما بدت طبيعية، تحمل في طياتها اختبارات أخلاقية تحدد مصير المجتمعات.
وهكذا، تتجاوز الرواية حدود الزمان والمكان، لتطرح سؤالًا مفتوحًا لا يفقد راهنيته: هل النهايات قدرٌ محتوم، أم حصيلة خيارات؟ وفي هذا السؤال تكمن قوة النص، إذ يدفع القارئ إلى مراجعة علاقته بواقعه، وبالأرض التي ينتمي إليها. فـ"النهايات” ليست حكاية قرية بعيدة، بل مرآة لكل مجتمع يقف على حافة التحول، ولكل إنسان يواجه خطر الانفصال عن جذوره.
وعليه، لا تنتهي الرواية عند موت "عساف” أو جفاف "الطيبة”، بل تبدأ من تلك اللحظة تحديدًا، حيث يُترك القارئ أمام مسؤولية التفكير وإعادة التقدير: كيف نصون الحياة قبل أن تتحول إلى ذكرى، وكيف نحمي المعنى قبل أن يغدو مجرد حكاية تُروى عن زمنٍ مضى؟




