شريط الأخبار
أجواء معتدلة الأحد والاثنين وانخفاض وأمطار خفيفة شمالي المملكة الثلاثاء عائلة الشاب عواد الرشايدة تناشد المساعدة بعد اختفائه بالشونة الجنوبية السردية الأردنية ... لماذا الآن؟! السجن عشر سنوات لسعد لمجرد بتهمة الاغتصاب العقبة تتألق بسحر "قمر الحصادين" بعدسة المبدعة سارة الرشايدة ( صورة + فيديو ) وزير الثقافة يكشف عن خطة متكاملة لإبراز شخصية النشمي الأردني سماء عمّان تتزين بعرض درون يرسم لوحات وطنية (صور) السعودية: حماية الملاحة الدولية مسؤولية مشتركة ونرفض استخدام الممرات المائية للابتزاز لافروف: حان الوقت لضمان إقامة دولة فلسطينية وزير الثقافة السوري من عمّان يؤكد أهمية تعزيز التعاون الثقافي السوري الأردني بيان صادر عن عشائر البطوش – أهالي منطقة الطيبة والسبب ملف الأراضي المصنفة «منزلقة» عقل: صعود برنت وضغوط الخزينة يدفعان باتجاه رفع أسعار المحروقات "البوتاس العربية" تعلن بدء العمل على تنفيذ بناء مصنع البلورة الباردة الثالث "البريد الأردني" يطرح إصداراً جديداً من البطاقات التذكارية Orange Money وشركة أدسترا توقعان اتفاقية شراكة استراتيجية لتعزيز المنظومة المالية الرقمية الزميل خليل قطيشات مديرا لمكتب مجموعة القلعة نيوز في محافظة البلقاء الملك يعود إلى أرض الوطن الف مبروك ..... بمناسبة زفاف السيد ذكري صابر ممدوح بين خطاب نتنياهو وتصريحات رضائي.. حين تتقاطع الخطابات على حساب الجغرافيا العربية AUSTRIACARD تُسلّم أولى بطاقات الدفع "جيوَن" لصالح Wio Bank في دولة الإمارات العربية المتحدة

السردية الأردنية ... لماذا الآن؟!

السردية الأردنية ... لماذا الآن؟!
السردية الأردنية ... لماذا الآن؟!

القلعة نيوز -أستاذ مشارك دكتور محمد حرب بشير اللصاصمة

ليست السردية الوطنية مجرد حكاية عن الماضي، ولا إعادة ترتيب للوقائع في كتب التاريخ، ولا خطابا احتفاليا يستدعي محطات مضت ثم ينصرف.
السردية، في معناها الأعمق، هي الطريقة التي يفهم بها المجتمع نفسه، ويقرأ بها تجربته، ويحدد من خلالها موقعه في الحاضر، واتجاهه نحو المستقبل. ومن هنا فإن السؤال عن السردية الأردنية لا ينبغي أن يكون: ماذا نقول عن الأردن؟
بل: كيف نقرأ الأردن؟
وما الذي نريد أن يبقى من تجربته في ذاكرة الأجيال؟
ولماذا أصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا الآن؟
ربما لأن العالم تغير بسرعة تفوق قدرة المجتمعات على تفسير التحولات من حولها.
وربما لأن المنطقة تعيش مرحلة يعاد فيها تشكيل خرائط النفوذ والمصالح والروايات، بحيث لم تعد الدول تدافع عن حدودها ومصالحها بالقوة الصلبة وحدها، وإنما تدافع عنها أيضا بالمعنى، وبالهوية، وبقدرتها على تقديم روايتها إلى الداخل والخارج. وفي عالم تتزاحم فيه الروايات على الشاشات والمنصات والفضاءات الرقمية، يصبح غياب الرواية الوطنية المتماسكة مساحة تملؤها روايات أخرى.
وفي الحالة الأردنية، تكتسب المسألة خصوصية أكبر؛ لأن الأردن لم يكن مجرد دولة تعيش في محيط هادئ، بل دولة نشأت وتطورت في منطقة ظلت لعقود مسرحا للحروب والتحولات والهجرات والأزمات الإقليمية.
ومع ذلك حافظت الدولة على استمراريتها، وطورت مؤسساتها، وأدارت علاقاتها الإقليمية والدولية، وحافظت على موقعها في بيئة شديدة الحساسية.
وقد وصف رئيس وزراء سابق السردية الأردنية بأنها إطار لفهم الهوية الوطنية ومنظومة القيم المشتركة، معتبرا أنها لا تقتصر على الوقائع التاريخية، بل تعكس قدرة الدولة على بناء الاستقرار والصمود رغم محدودية الموارد وتتابع التحديات.
لكن السردية التي يحتاجها الأردن اليوم لا ينبغي أن تكون سردية جامدة، ولا نصا مغلقا على الماضي.
فالدول الحية تعيد قراءة تجربتها باستمرار، وتستخرج من تاريخها ما يساعدها على فهم حاضرها وصناعة مستقبلها.
ولهذا فإن الحديث عن السردية الأردنية اليوم يأتي في لحظة تتقاطع فيها أسئلة الهوية مع أسئلة الاقتصاد، والسياسة، والشباب، والتعليم، والإدارة، والأمن الوطني، والدور الإقليمي.
ولعل كلمة "الآن" في السؤال هي الأهم. الآن، لأن الأردن يقف أمام مشروع تحديث واسع في مساراته السياسية والاقتصادية والإدارية.
فقد أصبحت عملية التحديث جزءا من خطاب الدولة وبرامجها، مع استمرار العمل على توسيع المشاركة السياسية وتعزيز دور الأحزاب والشباب، بالتوازي مع تنفيذ برامج التحديث الاقتصادي وتطوير الإدارة العامة.
كما أن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026-2029 يتضمن 182 مبادرة و392 مشروعا موزعة على 25 قطاعا، بما يعكس انتقال الحديث عن الإصلاح من مستوى الرؤية العامة إلى مستوى البرامج والمشروعات التنفيذية. وفي مثل هذه اللحظة، تصبح السردية الوطنية ضرورة لفهم معنى التغيير نفسه.
فالتحديث ليس مجرد قوانين جديدة، ولا إعادة هيكلة للمؤسسات، ولا مؤشرات اقتصادية، ولا زيادة في المشاركة السياسية. التحديث في جوهره عملية انتقال في طريقة تفكير المجتمع والدولة معا.
ولذلك يحتاج إلى قصة وطنية تشرح للناس: لماذا نتغير؟
وإلى أين نتجه؟
وما الذي نحافظ عليه ونحن نغير ما يحتاج إلى تغيير؟
فالأردن لا يبدأ من فراغ، ولا يدخل المستقبل بلا رصيد.
هناك تاريخ طويل من بناء الدولة، وتراكم مؤسسي، وتجربة في إدارة الأزمات، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية، وتجربة في التعامل مع التحولات الإقليمية. لكن قيمة هذا الرصيد لا تتحقق بمجرد الاحتفاء به، وإنما بإعادة توظيفه في بناء المستقبل.
وهنا تحديدا يجب أن تنتقل السردية الأردنية من "سرد الماضي" إلى "تفسير المسار".
فالسردية الأكثر تأثيرا ليست التي تقول للأجيال الجديدة إن الأردن واجه الصعوبات فقط، وإنما التي تفسر كيف واجهها، وما الذي تعلمه منها، وما الذي يجب أن يتغير كي لا تتحول الصعوبات نفسها إلى دورة متكررة.
وليست السردية التي تكتفي بتعداد الإنجازات، بل التي تضع الإنجاز في سياقه، وتعترف بالتحديات، وتمنح المواطن دورا في صناعة المرحلة المقبلة.
وهذا مهم بصورة خاصة للشباب. فجيل الشباب الأردني لا يعيش الذاكرة بالطريقة نفسها التي عاشها الجيل السابق.
إنه يعيش في فضاء رقمي مفتوح، ويقارن تجربته يوميا بتجارب شعوب أخرى، ويصل إلى كم هائل من المعلومات، ويتعرض لروايات متعددة عن الدولة والمجتمع والاقتصاد والهوية.
لذلك لم يعد ممكنا بناء الوعي الوطني من خلال التلقين وحده. المطلوب هو سردية تستطيع أن تقنع العقل قبل أن تخاطب العاطفة.
السردية الوطنية الحديثة ينبغي أن تقول للشاب الأردني إن المواطنة ليست مجرد انتماء عاطفي، وإنما شراكة ومسؤولية وحق وواجب.
وأن الدولة ليست كيانا بعيدا عن المجتمع، وأن المجتمع ليس متلقيا سلبيا لما تقرره المؤسسات.
بل إن قوة الدولة الحديثة تتأسس على قوة العلاقة بين مؤسساتها ومواطنيها، وعلى الثقة المتبادلة، وعلى قدرة الجميع على المشاركة في صناعة المستقبل.
ومن هنا تبرز أهمية ربط السردية الأردنية بمفهوم الإنجاز. فالأردن يحتاج إلى سردية لا تكتفي بقول "نحن هنا"، بل تسأل: ماذا نريد أن نكون؟
وما الاقتصاد الذي نريده؟
وما التعليم الذي نحتاجه؟
وما المهارات التي يجب أن يمتلكها شبابنا؟
وما شكل الإدارة التي تستحقها الدولة؟
وكيف يمكن أن تتحول المشاركة السياسية إلى ممارسة مؤسسية وبرامجية حقيقية؟
وفي هذا السياق، لا ينبغي فصل السردية الوطنية عن الاقتصاد. فالمواطن الذي يسمع عن التحديث الاقتصادي يريد أن يعرف أثره على حياته، وعلى فرص العمل، والدخل، والخدمات، والاستثمار، ومستوى المعيشة.
ولذلك فإن السردية الاقتصادية جزء من السردية الوطنية الجديدة: كيف ينتقل الأردن من إدارة الموارد المحدودة إلى تعظيم قيمة الإنسان والمعرفة والابتكار؟ كما لا يمكن فصلها عن السياسة.
فالتحديث السياسي لا يكتمل بمجرد وجود الأحزاب أو القوانين، وإنما يحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة تؤمن بالبرامج والحوار والمساءلة والتعددية والمشاركة.
وقد أكدت تصريحات رسمية خلال 2026 أن الأحزاب تمثل أحد مرتكزات العمل الوطني، وأن إشراك الشباب وتمكينهم جزء من مسار التحديث السياسي.
ثم تأتي البيئة الإقليمية لتمنح السردية الأردنية بعدا آخر.
فالأردن يعيش في قلب منطقة مضطربة، ولذلك فإن روايته الوطنية لا تنفصل عن قضايا الأمن والاستقرار والقدس وفلسطين واللاجئين والحدود والمياه والعلاقات الإقليمية.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر 2026، قدم الملك عبدالله الثاني رؤية أردنية تقوم على الثبات على المبادئ، والتمسك بالدبلوماسية، والدفاع عن المصالح الوطنية، مع التأكيد أن الانحياز إلى السلام لا ينبغي أن يفسر على أنه ضعف.
وهنا تظهر قيمة السردية الأردنية في بعدها الخارجي أيضا.
فالدول لا تقدم نفسها للعالم من خلال سياساتها فقط، بل من خلال الصورة التي تبنيها عن ذاتها وعن موقعها في النظام الدولي. والأردن بحاجة إلى رواية واضحة تقول إن الاستقرار ليس موقفا سلبيا، وإن الاعتدال ليس غيابا للموقف، وإن الدبلوماسية ليست تراجعا عن المصالح، وإن الانفتاح لا يعني التخلي عن الثوابت.
لكن السردية القوية لا تخاف من الأسئلة الصعبة.
بل إن قوة أي سردية وطنية تقاس بقدرتها على استيعاب النقد، والاعتراف بالتحديات، وتحويل الإخفاقات إلى دروس، والنجاحات إلى خبرات قابلة للبناء عليها.
أما السردية التي تقدم صورة مثالية لا علاقة لها بتجربة المواطن اليومية، فإنها تفقد قدرتها على الإقناع مهما كانت جميلة اللغة. ولذلك فإن المطلوب ليس صناعة صورة للأردن، بل صناعة فهم أعمق للأردن.
فالسردية الأردنية المنشودة يجب أن تجمع بين التاريخ والمستقبل، وبين الدولة والمجتمع، وبين الهوية والتنمية، وبين الأمن والحرية، وبين الاستقرار والإصلاح، وبين الثوابت والقدرة على التجدد.
ويجب أن يكون الإنسان الأردني مركزها الحقيقي؛ لأنه ليس مجرد متلق للسردية، بل شريك في إنتاجها.
ومن هنا، فإن توثيق السردية الوطنية الذي جرى طرحه رسميا خلال 2026 يمكن النظر إليه بوصفه جزءا من مشروع أوسع لحفظ الذاكرة الوطنية وتقديم التاريخ للأجيال المقبلة.
فقد أكد وزير الثقافة أن الأردن يسعى إلى توثيق تاريخه وتراثه وثقافته وإنجازاته، وأن توثيق التاريخ الحديث للدولة منذ تأسيسها عام 1921 يمثل ضرورة وطنية إلى جانب ما هو موجود في الكتب والدراسات الأكاديمية.
لكن التوثيق وحده لا يكفي. فالوثيقة تحفظ الذاكرة، أما السردية فتعطي الذاكرة معنى. والهدف ليس فقط أن يعرف الجيل الجديد ماذا حدث، بل أن يفهم لماذا حدث، وكيف أسهم في تشكيل الدولة والمجتمع، وما الدروس التي يمكن أن يستخلصها منه. إن "لماذا الآن؟"
ليست مجرد عبارة في عنوان، بل هي جوهر القضية. الآن لأن الأردن يدخل مرحلة جديدة من التحديث. الآن لأن المنطقة تعيش تحولات عميقة.
الآن لأن الفضاء الرقمي أصبح ساحة أساسية لصناعة الوعي. الآن لأن الأجيال الجديدة تريد إجابات تتجاوز الشعارات.
والآن لأن الدولة التي لا تفسر تجربتها ومستقبلها قد تترك الآخرين يفسرونها نيابة عنها. السردية الأردنية، إذن، ليست حملة إعلامية، ولا مناسبة احتفالية، ولا محاولة لتجميل الواقع.
إنها مشروع وطني لفهم الذات وتفسير المسار وصناعة المستقبل.
وإذا نجحت في الجمع بين صدق التاريخ ووضوح الحاضر وطموح المستقبل، فإنها يمكن أن تتحول من مجرد رواية عن الأردن إلى قوة من قوى الأردن.
فالأوطان لا تعيش بالذاكرة وحدها، ولا بالمشروعات وحدها؛ إنها تعيش بالمعنى الذي يجمع أبناءها حول سؤال المستقبل.
وهذا هو التحدي الحقيقي: أن نكتب السردية الأردنية لا لكي نقول للعالم من نحن فقط، بل لكي نعرف نحن، قبل غيرنا، إلى أين نريد أن نذهب.