شريط الأخبار
شركة فرنسية تؤكد تعرض إحدى سفنها لإطلاق نار في مضيق هرمز الأردن: ضرورة حشد الدعم للاقتصاد الفلسطيني في أوروبا إيران ترفض المشاركة في الجولة الثانية من المحادثات مع أميركا إسبانيا: سنطلب من الاتحاد الأوروبي فسخ اتفاق الشراكة مع إسرائيل الأمانة: مرحلة ثانية لتشغيل رادارات ضبط المخالفات المرورية بعد حزيران الصناعة والتجارة: 27 مخالفة بيع بأسعار أعلى من المحددة والمعلنة قرارات لمجلس الوزراء الملك يترأس اجتماعا للاطلاع على إجراءات الحكومة استعدادا لتنفيذ مشروع الناقل الوطني للمياه إرادة ملكية بقبول استقالة الحمارنة من عضوية مجلس الأعيان ترامب: ممثلونا يتوجهون إلى إسلام آباد مساء الاثنين لإجراء مفاوضات الأمن: كشف غموض اختفاء شخص في الطفيلة وضبط قاتله البلبيسي تؤكد أهمية تعزيز الثقافة المؤسسية في القطاع العام "البرلمانيات الأردنيات" يبحثن تعزيز التمكين وخارطة طريق للمرحلة المقبلة بعد قبول استقالته من الأعيان .. الحمارنة رئيسا لأكاديمية الإدارة الحكومية طهران تقول إن الاتفاق النهائي مع واشنطن لا يزال بعيدا وتواصل إغلاق هرمز الأردن وسوريا يطلقان مشروعا استراتيجيا لتحديث الدراسة الهيدروسياسية لنهر اليرموك الأردن والعراق يبحثان رفع التنسيق العسكري ومكافحة الإرهاب والمخدرات "تقسيم ثلاثي" في جنوب لبنان .. تقرير يكشف خطة الاحتلال مجلس النواب يقر اتفاقية "أبو خشيبة" وزير الزراعة: الأمن الغذائي مستقر وقوي رغم الأوضاع الإقليمية

سلام ترامب": بين الواقعية السياسية ومستقبل الدولة الفلسطينية

سلام ترامب: بين الواقعية السياسية ومستقبل الدولة الفلسطينية
"سلام ترامب": بين الواقعية السياسية ومستقبل الدولة الفلسطينية

د. عبدالله حسين العزام

شهد الشرق الأوسط منذ منتصف القرن العشرين سلسلة من الاتفاقيات التي أعادت ترتيب المشهد الإقليمي على حساب القضية الفلسطينية، بدءاً من اتفاقية كامب ديفيد 1977 بين مصر وكيان الاحتلال الإسرائيلي، والتي حملت أول اعتراف عربي رسمي بإسرائيل وسيادتها على أراضٍ فلسطينية تحتلها، بذريعة تحقيق السلام الإقليمي، لكنها عملياً شرّعنت الاحتلال وأضعفت الموقف الفلسطيني والعربي الرسمي الجماعي في تلك المرحلة، بينما خدمت مصالح القوى الكبرى أكثر من حقوق الفلسطينيين.

ثم تواصل المسار ذاته عبر اتفاقيات أوسلو الأولى في واشنطن والثانية في مدينة طابا المصرية خلال التسعينيات، حيث شكّلت تحولا استراتيجياً في مسار القضية الفلسطينية من مشروع تحرر وطني شامل إلى إدارة ذاتية محدودة تحت الاحتلال. وعوضاً عن أن تكون جسراً نحو الدولة المستقلة، تحوّلت أوسلو إلى إطار لتكريس الاحتلال بأساليب جديدة، إذ جاءت نتائجها لتخدم الاستقرار الإقليمي الأمريكي–الإسرائيلي أكثر من تحقيق الحل الفلسطيني العادل، من خلال تقنين وجود السلطة الفلسطينية وفتح قنوات تعاون أمني واقتصادي مع الاحتلال، دون وقف الاستيطان أو تحقيق السيادة، نتيجة فشل بند إقامة الدولة الفلسطينية في غضون ٥ سنوات كما تضمنت بنود إحدى الاتفاقيات المذكورة.

وتأتي قمة شرم الشيخ 2025 استمراراً للنهج ذاته، وعلى ضوء خطة ترامب في غزة، حيث هدفت القمة إلى تأكيد الالتزام بهذه الخطة وإعادة ضبط الواقع الفلسطيني–الإسرائيلي عبر أدوات سياسية وأمنية واقتصادية، بمشاركة بعض قادة دول العالم في صياغة الحلول المرحلية باعتبار أن خطة السلام تأتي على مراحل وصولاً إلى الحل النهائي والتي ربما سيكون محكوم عليه بالفشل استناداً إلى القراءات التاريخية، علاوة على تغيب إحدى الأطراف الفلسطينية الرئيسية مثل حماس، ما يجعل القرارات النهائية رهينة النفوذ الأمريكي–الإسرائيلي. ويظهر الموقف العربي منقسما بين من يتبنى الواقعية السياسية بحجة حماية الاستقرار الإقليمي، ومن يرى في القمة محاولة جديدة لإضفاء شرعية على حلول جزئية بلا سيادة فلسطينية حقيقية، نتيجة نهج اليمين الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو أحد أبرز عوامل تعقيد المشهد الفلسطيني، إذ يتبنى نهجاً متشددا يقوم على رفض الحلول السياسية ومحاولات توسيع الاستيطان، مع السعي إلى فرض واقع ميداني يلغي فكرة الدولة الفلسطينية، هذا التوجه اليميني ينعكس في التعاطي السلبي مع أي مبادرات سلام، إذ يعتبرها تنازلات غير مقبولة، ما يؤدي إلى تأجيج الصراع وتعميق المأساة الإنسانية في غزة والضفة الغربية، ويغلق أبواب الحوار أمام أي تسوية حقيقة عادلة وشاملة.

وفي خضم الحرب على غزة، أعادت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح ما تسميه "خطة السلام” لإنهاء الحرب وبدء مرحلة إعادة الإعمار. غير أن هذا "السلام” يبدو أقرب إلى وهم سياسي منه إلى مشروع واقعي لتحقيق العدالة، إذ يخدم في جوهره المصالح الأمريكية والإسرائيلية وكل ذلك على حساب الأمن الإقليمي، متجاهلاً الحقوق التاريخية والسياسية للشعب الفلسطيني. الخطة تحدثت عن وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وهذا ما حدث مرحليا، وإعادة إعمار غزة بإشراف دولي، لكنها لم تتضمن أي التزام واضح وصريح بإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، وهذا ما أكده الرئيس الأمريكي ترامب قبل أيام في تصريحات اعلامية على متن طائرة الرئاسة الأمريكية خلال عودته من الشرق الأوسط: "لا أتحدث عن دولة واحدة أو دولتين، نحن نتحدث عن إعادة إعمار غزة".

وأضاف: "الكثيرون يُؤيدون حل الدولة الواحدة، والبعض يُؤيد حل الدولتين. سنرى"، وتابع: "لم أُعلّق على ذلك بعد".

ما يعني أن ما طرح سلاماً مشروطا بأمن كيان الإحتلال الإسرائيلي واستمرار السيطرة الغربية على التنفيذ، مما يجعلها أداة للهيمنة السياسية مغلفة بخطاب إنساني وتنموي.

إضافة إلى ذلك تكرّس هذه الرؤية ما يُعرف بـ"السلام الاقتصادي" الذي يُقدَّم كبديل عن العدالة والحقوق السياسية، إذ تصبح التنمية والإعمار وسيلة لشراء الهدوء في تجاهل متعمّد لجذور الصراع: الاحتلال، والاستيطان، والتهجير. وهكذا يصبح السلام وسيلة لتجميل الواقع القائم وتبرير التطبيع، وإظهار واشنطن بمظهر الوسيط العادل، بينما هي في الحقيقة طرف منحاز يفرض رؤيته على الطرف الأضعف.

وبناءً على ما سبق فقد أبدت حركة حماس استعدادها للتعامل مع أي مبادرة تؤدي إلى وقف العدوان وتبادل الأسرى، لكنها اشترطت الانسحاب الكامل من القطاع ووقف الانتهاكات الإسرائيلية، مؤكدةً أن أي اتفاق يجب أن يتم في إطار وطني جامع يشارك فيه جميع القوى الفلسطينية. أي أن الحركة تعاملت مع المبادرة بواقعية مشروطة، مدركةً أن أي سلام لا يضمن الحقوق الجوهرية لن يكون سوى هدنة مؤقتة تسبق مواجهة جديدة!
إن جوهر "سلام ترامب" هو نزع سلاح المقاومة تحت غطاء "التهدئة وإعادة الإعمار"، بما يكرّس التفوق الإسرائيلي ويحوّل غزة إلى منطقة منزوعة الإرادة قبل أن تكون منزوعة السلاح. والتاريخ يؤكد أن نزع السلاح دون ضمانات سياسية يؤدي إلى إضعاف الشعوب، لا إلى حمايتها، كما حدث في تجارب البوسنة وجنوب السودان وغيرها، حيث أفضت التسويات إلى اختلال موازين القوى وعودة النزاعات بأشكال جديدة وطاحنة.

وفي هذا الصدد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: "سننزع سلاح" حماس إذا رفضت الحركة التخلّي عنه، مشيرا إلى أن ذلك يمكن أن يحدث بالقوة إذا اقتضى الأمر! جاء ذلك في تصريح للصحافيين في البيت الأبيض غداة زيارته إلى الشرق الأوسط احتفاء باتفاق وقف إطلاق النار في غزة إذ صرح حرفياً الرئيس الأمريكي: "إذا لم يتخلّوا عن السلاح سنتكفل بنزعه"، وأضاف: "سيحدث ذلك بسرعة وربما بعنف"!

انعكاسات هذه السياسات والتصريحات ربما تتجاوز حدود فلسطين، وتمس الأمن العربي والإقليمي بأسره. فالأردن قد يواجه ضغوطاً ديموغرافية وسياسية متزايدة نتيجة أي تسوية غير عادلة. وسوريا ما تزال تعاني من الاحتلال الإسرائيلي للجولان، والاعتداءات العسكرية على الأراضي السورية. ولبنان تخشى اهتزاز التوازن الداخلي بين القوى اللبنانية من ناحية والانزلاق عسكرياً عبر جبهتها الجنوبية من ناحية أخرى، ومصر كذلك تتخوف من الأحداث من مجموعة من الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية؛ إذ تخشى القاهرة من امتداد العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى حدودها في رفح، وما قد يرافق ذلك من تسلل أو فوضى أمنية في سيناء، إضافة إلى القلق من موجات نزوح جماعي تضغط على قدراتها اللوجستية والاقتصادية.

لقد أثبتت التجارب السابقة، من أوسلو إلى صفقة القرن، أن السلام الذي لا يقوم على العدالة والمساءلة والحقوق الوطنية لا يصمد طويلًا، وأن التنمية والإعمار لا يمكن أن يكونا بديلًا عن الحرية والسيادة. الفلسطينيون اليوم أمام مفترق طرق: إما القبول بـ"سلام" ناقص لا يغيّر جوهر المعاناة، أو التمسك بحقوقهم وفرض رؤيتهم عبر المقاومة السياسية والشعبية والإجماع الوطني. أي أن أي تقدم حقيقي يتطلب توازناً بين الواقعية السياسية والقدرة على الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وإلا ستظل المبادرات مجرد إدارة مؤقتة للصراع بدل حله بشكل شامل ودائم. والسلام الحقيقي لا يُبنى على توازنات القوة، بل على توازن الحقوق والسيادة والكرامة، والحلول الجذرية للصراع.