الدكتور نسيم أبو خضير
في مواسم الخير ، حين تنهمر الأمطار الغزيرة وتشتد الرياح ، تتبدّل ملامح الطبيعة ، ويعلو صوت الماء في الأودية والمناطق المنخفضة ، فتتحول الرحمة إلى إبتلاء ، ويصبح الحذر عبادة ، والوعي مسؤولية ، والتكافل فريضة أخلاقية قبل أن يكون واجبًا وطنيًا .
لقد علمنا ديننا الحنيف أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل ، بل هو جوهره ، قال تعالى :
﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾.
ومن هذا المنطلق ، فإن وعي المواطنين وإلتزامهم بالبقاء في منازلهم ، وتجنب مجاري السيول والعبّارات ، وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى ، هو سلوك راقٍ يعكس نضجًا مجتمعيًا ، وإدراكًا لحجم الخطر ، ويُسهم في حماية الأرواح والممتلكات .
إننا نُثمّن عاليًا هذا الوعي المسؤول ، وندعو إلى تعزيزه ، فكم من مأساة كان يمكن تجنبها بقليل من التروي ، وكم من روح أُنقذت لأن صاحبها قدّم السلامة على الإستعجال . فالحياة أمانة ، وحفظ النفس مقصد عظيم من مقاصد الشريعة .
وفي المقابل ، فإن المسؤولية في مثل هذه الظروف لا تقع على عاتق المواطن وحده ، بل هي مسؤولية تشاركية تتطلب جاهزية عالية من جميع الوزارات والمؤسسات المعنية . إن مواجهة الحالات الطارئة تستوجب تفقد الآليات والمعدات اللازمة لفتح الطرقات ، وتصريف المياه ، وإزالة العوائق ، وضمان إستمرار الخدمات الأساسية دون إنقطاع .
كما أن فتح المدارس والمساجد وتجهيزها بالأغطية والطعام ، لتكون ملاذًا آمنًا لإيواء المواطنين في المناطق المعرّضة للأمطار الغزيرة ، هو تجسيد عملي لقيم التكافل التي دعا إليها الإسلام ، حيث قال النبي ﷺ :
« مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ».
ولا يقل أهمية عن ذلك ، فتح غرف عمليات فاعلة في المحافظات ، تعمل على مدار الساعة ، تستقبل البلاغات ، وتنسق الجهود ، وتتخذ القرار السريع ، فالدقيقة في مثل هذه الظروف قد تعني حياة ، وقد تمنع كارثة .
إن الأمطار مهما إشتدت ، تبقى نعمة إذا أحسنّا التعامل معها ، وابتلاءً إذا إستهنا بخطرها . وبين هذا وذاك ، يظهر معدن المجتمع ؛ وعيًا ، وتعاونًا ، ورحمة .
فلنكن على قدر المسؤولية ، متوكلين على الله ، آخذين بالأسباب ، متراحمين فيما بيننا ، حتى تمر هذه الظروف بسلام ، ويعود المطر كما أراده الله : حياةً للأرض ، وأمانًا للإنسان .



