شريط الأخبار
رويترز: قمة ترامب وشي مبهرة شكلا وفقيرة مضمونا انتهت باحتساء الشاي العليمي يدعو الشعب اليمني للنفير واستعادة بسط السيادة وصولًأ إلى صنعاء إحباط محاولة إدخال هرمونات محظورة التداول عبر حدود جابر اجتماع أردني سوري في دمشق لبحث المشاريع الاستراتيجية ضبط 188 كغم لحوم منتهية الصلاحية في الكرك باكستان: سنناقش مع السعودية وتركيا دعم الرياض بموجب اتفاقية الدفاع دول غادرت وفودها قاعة الأمم المتحدة لحظة خطاب نتنياهو (أسماء) الصفدي يؤكد ضرورة حماية الأونروا من محاولات الاغتيال السياسي التي تستهدفها وفد وزاري أردني يختتم جولة في ألمانيا الأمن العام يُشارك بتشييع جثمان العريف يعقوب فايز يعقوب شرف *المسرحية السنوية والاخراج سئي* ولد الهدى... الحلقة السابعة .. "لست شامتًا" شادي فريج يعلق على حبس حسن الرياطي ويلمح لانفراجة تفاصيل الاتفاق المرحلي بين طهران وواشنطن .. وعقد قد تعرقله الاحتلال: مقتل جنديين إسرائيليين بانفجار مسيرة للجيش شمالي غزة الأردن يشارك بالمؤتمر الإقليمي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الـ12 فتح باب المناقلات الداخلية والخارجية لطلبة المكرمة الملكية السامية البنك الدولي: صرف 100 مليون دولار لبرنامج إصلاح القطاع الصحي في الأردن بزشكيان يكرر: التقيت خامنئي 7 ساعات ولهذا لم يظهر علنا زيلينسكي: دول بالشرق الأوسط تشارك في محادثات البحر الأسود

النقرش يكتب : "عندما تصبح الهوية بديلاً عن الدولة… لا رافعة لها"

النقرش يكتب : عندما تصبح الهوية بديلاً عن الدولة… لا رافعة لها
د: ابراهيم النقرش

في خضمّ الجدل المتكرر حول "الهوية”، يختلط المفهوم بالمفهوم، ويضيع الفارق بين ما يُلهم الشعوب وما يُدير شؤونها. فليست المشكلة في الهوية ذاتها، ولا في تعددها، بل في تحويلها إلى بديل عن الدولة، أو تحميلها ما لا تحتمل من أعباء السياسة والاقتصاد والإدارة. هنا يبدأ الخلل، وهنا تتشوش الأولويات.
الهوية هي من نكون شعورياً وثقافياً: لغة، دين، تاريخ، ذاكرة جماعية، عادات، وانتماء رمزي. تُبنى عبر القرون، وتحيا في الوجدان، وهي بطبيعتها عاطفية، تحفظها الذاكرة وتصونها المشاعر. يمكن أن تكون واحدة، ويمكن أن تتعدد داخل المجتمع الواحد دون أن يشكل ذلك تهديداً.
أما الدولة فهي كيف نعيش معاً عملياً: مؤسسات، قانون، دستور، مواطنة، حقوق وواجبات، وإدارة موارد. تُبنى بالعقل والتنظيم، ووظيفتها إدارة الاختلاف لا إنكاره، وضبط التباين لا صهره قسراً. معيارها الكفاءة والعدالة، لا نقاء الأصل ولا صفاء الانتماء.
الهوية تُلهم… والدولة تُنظّم.
الهوية توحّد المشاعر… والدولة توحّد المصالح.
وحين نخلط بينهما، نطالب الهوية بما هو من صميم عمل الدولة، ونستعيض بالشعارات عن الإصلاح، وبالخطاب العاطفي عن البناء المؤسسي. فنرفع رايات الانتماء كلما تعثرت الإدارة، ونستدعي خطاب الهوية كلما عجزنا عن مواجهة الفساد.
المواطن اليوم لا يسأل عن نقاء الهوية، بل عن عدالة الدولة. لا يبحث عن تعريف ثقافي لنفسه، بل عن فرصة عمل، وكرامة، وعدالة اجتماعية، وخدمات تحترم إنسانيته. وحين يُزاح النقاش من الفساد والبطالة والمديونية إلى جدل الهويات، نكون قد استبدلنا جوهر الأزمة بقشورها. فالتنوع المجتمعي ليس خطراً في ذاته، بل يصبح خطراً حين يُستخدم أداة للهروب من الاستحقاقات الوطنية.
ولو نظرنا إلى تجارب العالم، لوجدنا أن قوة الدول لم تأتِ من تجانس الهويات، بل من تعددها وصلابة المؤسسات. الولايات المتحدة قامت على تنوع عرقي وديني واسع، ومع ذلك جمعها دستور واحد وقانون واحد. والهند تضم مئات اللغات وتعدداً دينياً هائلاً، لكن إطارها الدستوري ينظم هذا الاختلاف بدل أن يجعله سبباً للانقسام. والصين، رغم تنوعها، بنت وحدتها على تنظيم إداري واقتصادي صارم. وحتى إسرائيل جمعت يهوداً من خلفيات ثقافية متعددة تحت مظلة دولة حديثة بمؤسسات واضحة. هذه النماذج، على اختلاف سياقاتها، تؤكد حقيقة واحدة: الدولة لا تنهار لأن الهويات متعددة، بل تنهار حين تعجز عن إدارتها بعدل.
وفي التجربة الأردنية، رسّخ الملك حسين بن طلال رحمه الله مفهوم الهوية الجامعة، فكان معيار المشاركة هو المواطنة والدور، لا المنبت والأصل. حُفظ النسيج الوطني في ظروف إقليمية صعبة لأن الدولة احتضنت تنوعها، ولم تحوله إلى أداة تصنيف أو إقصاء.
أين المشكلة الحقيقية إذن؟
مشكلة المواطن ليست مع الهوية؛ فالهوية محفوظة في القلب ولا تحتاج وصاية. المشكلة مع الفساد الذي ينخر المؤسسات، ومع المحسوبية التي تقتل الكفاءة، ومع اقتصاد منهك ومديونية متضخمة، ومع بطالة وفقر يهددان الاستقرار، ومع بنية إدارية مترهلة تُضعف الثقة بين المواطن والدولة. حين يشعر المواطن أن الدولة تحولت إلى مزرعة مصالح، وأن الفرص محصورة، وأن العدالة انتقائية، فإنه يغضب من سوء الإدارة لا من تنوع المجتمع. والأخطر أن إثارة الانقسام تخدم أعداء الوطن المتربصين به، لأن الدولة الضعيفة من الداخل لا تحتاج إلى عدو خارجي.
إذن كيف تُبنى دولة تحتضن الهويات المختلفة؟
تُبنى بالمواطنة المتساوية التي لا تُجزّأ فيها الحقوق حسب الأصل، وبالعدالة الاقتصادية والاجتماعية التي توزّع الفرص والثروة بإنصاف، وبسيادة القانون التي لا حصانة فيها لفاسد، وبفصل السلطات واستقلال القضاء، وبمؤسسات قوية لا بأشخاص نافذين، وبإدارة التنوع لا إنكاره، لأن الاعتراف بالاختلاف قوة لا تهديد.
الدولة الحديثة ليست مشروع هوية، بل مشروع عدالة ومؤسسيه. وكلما كانت عادلة، خفّ الاحتقان الهويّاتي تلقائياً، لأن الناس حين تنال حقوقها لا تبحث عن ملاذات ضيقة.
المحصله أن الدولة لا تفشل لأن الهويات متعددة، بل تفشل حين تعجز عن إدارتها بعدل. لسنا بحاجة إلى إعادة تعريف من نحن، بل إلى إصلاح كيف نُدار. لسنا بحاجة إلى مزيد من الجدل حول الهوية، بل إلى إرادة سياسية تبني مؤسسات تحمي المواطن وتصون كرامته. فالهوية تُلهمنا، نعم، لكنها لا تُغني عن دولة عادلة، ولا تعالج بطالة، ولا تسد ديناً، ولا تُصلح إدارة. وحين تصبح الهوية بديلاً عن الدولة، لا تبقى هوية جامعة… ولا تقوم دولة قوية.