القلعة نيوز:
بقلم: الأستاذ الدكتور هايل مضفي البري
يأتي خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، في الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر 2026، في مرحلة دولية تتسم بتسارع التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية والتكنولوجية، وتزايد الأزمات التي تواجه المجتمع الدولي. ومن هنا، فإن الخطاب لا يمثل مجرد قراءة للأحداث الراهنة، وإنما يقدم رؤية استشرافية لمساراتها ونتائجها المحتملة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وقد انطلق جلالة الملك من فكرة بالغة الدلالة، تتمثل في أن العالم يعيش عصرًا تتضاعف فيه المعرفة وتتسارع فيه التكنولوجيا، في الوقت الذي تتوالى فيه الأزمات وتتراجع فيه قدرة المجتمع الدولي على منح كل أزمة ما تستحقه من اهتمام. ولذلك برز مفهوم «الانتباه» في الخطاب بوصفه مفهومًا سياسيًا واستراتيجيًا؛ فالقضايا التي تحظى بالاهتمام الدولي تستقطب قدرًا أكبر من الجهد الدبلوماسي، بينما قد يؤدي تراجع الاهتمام إلى استمرار الأزمات وتفاقمها.
ومن هنا تتجلى الرؤية الاستشرافية للخطاب؛ إذ لا يقتصر السؤال على ما يحدث اليوم، بل يمتد إلى ما يمكن أن يحدث غدًا إذا استمر التعامل مع الأزمات بالطريقة ذاتها. فالاستشراف الحقيقي لا يعني انتظار النتائج، وإنما قراءة مقدماتها وربط قرارات الحاضر بالنتائج التي يمكن أن تترتب عليها في المستقبل.
وفي هذا السياق، احتلت القضية الفلسطينية موقعًا محوريًا في الخطاب الملكي، انطلاقًا من أن استمرار إدارة الصراع لعقود دون الوصول إلى حل عادل ودائم أدى إلى تراكم وقائع جديدة على الأرض. فالزمن ليس محايدًا في الصراعات، وكل تأخير في الوصول إلى حل يضيف تحديات جديدة ويزيد من معاناة الشعب الفلسطيني، كما يضعف الثقة بقدرة النظام الدولي على تطبيق القانون والمبادئ التي أعلن التزامه بها.
أما على الصعيد الأردني، فقد قدم جلالة الملك مفهومًا متكاملًا للأمن الوطني، لا ينحصر في حماية الحدود، وإنما يرتبط بالأمن الإقليمي وبمجموعة من المصالح الحيوية، وفي مقدمتها الأمن المائي والغذائي وأمن الطاقة والاقتصاد والتجارة والمجتمع، إلى جانب مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات.
وتبرز أهمية هذه الرؤية في التعامل مع التطورات الإقليمية، ولا سيما في الجنوب السوري ومصادر المياه؛ فالأردن لا يستطيع أن ينتظر وقوع الخطر حتى يتحرك، بل يتعين عليه أن يقرأ التحولات المحيطة به من منظور استباقي يحمي موارده ومصالحه وأمن أجياله المقبلة. فالأمن الوطني، وفق هذه الرؤية، منظومة مترابطة قد يتأثر أحد عناصرها بتطورات تقع خارج الحدود.
ومن الأفكار المهمة التي حملها الخطاب أن الأردن لا يستطيع الاختيار بين إدارة الأزمات وبناء المستقبل، بل يعمل على الأمرين معًا. فالدول الواقعة في مناطق الأزمات معرضة لأن تستنزفها التحديات اليومية، فيصبح المستقبل مؤجلًا، ولذلك تقوم الرؤية الأردنية على إدارة الأزمة في حاضرها، مع بناء القدرات التي تمكن من تجاوز آثارها مستقبلًا.
وفي هذا الإطار، تأتي الرؤية المتعلقة بتعزيز الروابط الاقتصادية من الخليج إلى البحر المتوسط، وتطوير الأردن ليكون مركزًا للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، بالتوازي مع التعامل مع الأزمات الإنسانية والأمنية. وهي رؤية تسعى إلى تحويل الموقع الجغرافي للمملكة إلى فرصة لتعزيز الاقتصاد والشراكات الإقليمية والدولية.
كما أكد الخطاب أهمية الدبلوماسية والسلام باعتبارهما أدوات لإدارة الاختلاف وحماية المصالح، دون أن يعني ذلك التخلي عن المبادئ والثوابت. فالقوة وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار، بينما يوفر الحوار والدبلوماسية إمكانية الوصول إلى حلول سياسية تحول دون اتساع دوائر الصراع.
وعند قراءة الخطاب بصورة شاملة، نجد أن المستقبل فيه ليس مجرد زمن قادم، وإنما مسؤولية تبدأ من الحاضر؛ فالمستقبل يتشكل عندما نعالج الأزمة قبل أن تتحول إلى حرب، ونحمي الموارد قبل أن تتحول إلى أزمات، ونحترم القانون قبل أن تتراجع الثقة به، ونستثمر في التكنولوجيا قبل اتساع الفجوة التقنية.
ومن هنا، فإن الاستشراف في الرؤية الملكية لا يقوم على التنبؤ بما سيحدث فحسب، وإنما على التأثير في مسار الأحداث وصناعة مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا. والأردن، كما يعرضه الخطاب، يسعى إلى أداء أدوار متوازية في دعم السلام، وحماية أمنه وحدوده، ومواجهة الإرهاب والمخدرات، ودعم القضية الفلسطينية، وبناء شراكات اقتصادية وتكنولوجية.
وفي ختام الخطاب، يعود جلالة الملك إلى مفهوم «الانتباه» ليحوله إلى مسؤولية؛ فمستقبل العالم يتشكل ليس فقط من خلال ما يفعله، وإنما كذلك من خلال ما يختار أن يتجاهله. فالأزمات المؤجلة قد تتحول إلى أزمات دائمة، والتهديدات التي لا تتم معالجتها في وقتها قد تصبح أخطارًا استراتيجية، والقوانين التي يجري تجاوزها قد تفقد قيمتها.
وعليه، يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بوصفه خطابًا في مسؤولية الحاضر عن المستقبل؛ فهو يربط بين السياسة والأمن والقانون والاقتصاد والإنسان، ويؤكد أن القرارات التي يتخذها العالم اليوم ستحدد طبيعة العالم الذي سيعيش فيه أبناؤنا غدًا.
إن جوهر الرؤية الأردنية التي يحملها الخطاب يتمثل في الثبات على المبادئ، والانفتاح على الحوار، والتمسك بالدبلوماسية، وحماية الأمن الوطني، والاستثمار في الموقع الجغرافي، وبناء الاقتصاد والتكنولوجيا، وعدم السماح للقضايا العادلة بأن تغيب عن اهتمام المجتمع الدولي.
فالمستقبل لا يُنتظر حتى يأتي، وإنما يُبنى اليوم بالقرارات التي تتخذ والأزمات التي تواجه والقضايا التي يرفض أن يسمح العالم بنسيانها.
حفظ الله الأردن أرضًا وشعبًا وقيادة، في ظل حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وولي عهده الأمين، ليبقى الأردن حاضرًا في الدفاع عن قضايا أمته العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومتمسكًا برسالته في دعم السلام والاستقرار وصون مصالحه الوطنية.
الأستاذ الدكتور
هايل مضفي البري




