القلعة نيوز:
حين كانت شركة الفوسفات وطناً صغيراً يتّسع للجميع
هناك مؤسساتٌ تُقاس بالأرقام،
وأخرى تُقاس بما زرعته في القلوب…
وكانت شركة الفوسفات الأردنية من تلك المؤسسات التي لم تُنتج الفوسفات وحده،
بل أنتجت الأمل… وصنعت الطمأنينة… وبنت مجتمعاً كاملاً من الكدح والوفاء.
نستذكر تلك الأيام،
حين كان آباؤنا يتعلقون بها كما يتعلق المسافر بقطارٍ أدركه في اللحظة الأخيرة،
يمسك بمقبضه بكل ما أوتي من أمل،
ليصل إلى أهله منصوراً…
وقد أمن الخوف من الحاجة،
وأبعد شبح الفقر عن أبواب البيوت.
في منجم الوادي الأبيض،
كان الآباء حراساً وسائقين وعمالاً ومهنيين،
لكنهم في أعيننا كانوا بناة حياة،
ينثرون الخير في بيوتهم،
ويمدّون دفء العمل إلى أسرٍ امتد أثرها على مساحة الوطن كله.
كنا نذهب إليهم،
فنجد الأمان قبل اللقاء،
والطمأنينة قبل السؤال،
وكأن الشركة لم تكن مكان عملٍ فقط،
بل حضناً واسعاً تتكئ عليه العائلات حين تضيق بها الحياة.
كانت المدينة السكنية،
والنادي،
والملاعب،
والمطاعم التي تستقبل الجميع،
مظاهر حياةٍ لا تُشترى بالمال،
بل تُبنى بروح الانتماء…
وكان المدراء والمهندسون،
مثل أحمد شابسوغ،
وجورج بلو،
والوريكات،
والمبيضين…
المجالي...
الذنيبات...
لم يكونوا مجرد أسماءٍ إدارية،
بل كانوا جزءاً من ذاكرة الناس،
تتردد أسماؤهم في بيوت الأهالي،
كما تُذكر أسماء الأقارب والأصدقاء.
تجمّع أبناء العشائر في تلك القرى،
فكانوا أهلاً واحداً،
وفزعةً واحدة،
ووطنًا صغيرًا ينبض بروح الأردن الكبير 🇯🇴
كانت شركة الفوسفات مظلةً،
نتقي بها حرّ الفقر،
ونستدفئ بها من برد الحاجة،
شركة مساهمة…
لكنها ساهمت في بناء الإنسان قبل العمران،
وفي ترسيخ الكرامة قبل الأرباح.
ومن ينكر فضلها…
كأنه ينكر صفحاتٍ مضيئة من ذاكرة الجنوب،
وذكرياتٍ صادقة كتبتها أيادي العمال،
ووجوه الآباء المتعبة…
التي صنعت لأبنائها مستقبلاً أرحب.
سلامٌ على تلك الأيام،
وسلامٌ على شركةٍ لم تكن مجرد مؤسسة،
بل كانت وطناً صغيراً…
احتضن الناس،
وأطعم البيوت،
وزرع الامتنان في القلوب…
وما زال أثرها حتى اليوم
يمشي معنا…
كأثر الآباء حين يرحلون
ويبقى عطاؤهم لا يغيب.




