القلعة نيوز:
في كتاب الجسد، يُقال إن القلب لا يختار أطرافه، ولا يُميّز بين عضوٍ قريبٍ أو بعيد، فهو يضخّ الحياة إلى الجميع، دون أن يسأل: من الأجدر؟ ومن الأولى؟
لكن يبدو أن في جسد التنمية… قلباً مختلفاً.
قلبٌ تعلّم أن يُحبّ "المعدة” أكثر،
وأن يُدلّل "الكروش” لأنها الأقرب إلى مائدة القرار،
بينما تُترك الأطراف — هناك في الجنوب —
لتتدرّب على الصبر، وكأنها في دورةٍ مستمرة بعنوان: "كيف تعيش بنصف حياة”.
في الجنوب الأردني، لا ينقص الناس الانتماء،
ولا تفتقر الأرض للكرامة،
لكن يبدو أن الخرائط الرسمية تُرسم أحياناً بمعدةٍ ممتلئة، لا بعينٍ ترى كامل الجسد.
فالطرق هناك… تعرف الانتظار أكثر من السيارات،
والفرص… تمرّ مرور الضيف الثقيل،
والمشاريع… تُعلن كما تُعلن الأمطار في نشراتٍ لا تصل إلى الأرض.
أما التنمية، فقد قررت — على ما يبدو — أن تكون "انتقائية الذوق”،
تُفضّل المناطق الدافئة اقتصادياً،
وتعتذر عن زيارة الأماكن التي تحتاجها فعلاً.
ولأننا في زمن الأرقام،
فلا بأس أن نُطمئن الجنوب ببعض "الجداول البيانية”،
فهي — كما يبدو — تُشبع الطموح،
وتُغني عن العمل،
وتُقنع المواطن أن الحلم قد تحقق… على الورق.
السؤال هنا ليس: لماذا الجنوب؟
بل: لماذا لا الجنوب؟
أليس من الغريب أن يكون الجنوب،
بما يحمله من تاريخ، وموارد، وعمق وطني،
هو آخر من يُسأل عن حاجته، وأول من يُطلب منه الصبر؟
أم أن الصبر أصبح مورداً طبيعياً من موارده،
يُستخرج بلا كلفة،
ويُصدّر دون مقابل؟
يا أصحاب القرار…
إن الجسد الذي يُغذّي بعضه ويُهمل بعضه،
لا يمرض فجأة… بل يتآكل بهدوء.
والتنمية التي تُرضي "المعدة” وتُهمل "الأطراف”،
قد تنجح في التقارير،
لكنها تفشل في الحقيقة.
فالجنوب لا يطلب صدقة،
ولا ينتظر منّة،
بل يطالب بحقه الطبيعي…
أن يكون جزءاً من نبض الوطن، لا هامشه.
فلماذا لا نعيد للقلب وظيفته…؟؟
يبدو أن خارطة التنمية عندنا تُرسم بعد وجبة دسمة…
فكل الطرق تؤدي إلى "المعدة”،
وكل المشاريع تنتهي حيث تمتلئ الكروش…
أما الأطراف، فالله يعينها على "الحمية الإجبارية”.
في الجنوب الأردني،
لا أحد يشتكي من قلة الصبر،
فالصبر هناك مورد استراتيجي متجدد،
يُستخرج يومياً دون ترخيص،
ولا يخضع لأي ضريبة…
وربما قريباً يُدرج ضمن الثروات الوطنية.
الجنوب…
ذلك المكان الذي تتذكره الخطط في المقدمات،
وتنساه في التنفيذ،
ويحضر بقوة في الخطب،
ويغيب بهدوء في الموازنات.
هناك…
الطريق أطول من الوعود،
والفرصة أندر من التصريحات،
والمشروع يبدأ بحفل افتتاحٍ فخم…
وينتهي بصورةٍ على صفحة رسمية،
ثم يُترك ليكمل حياته "نظرياً”.
يُقال إن التنمية شاملة…
لكن يبدو أن "الشمول” عندنا انتقائي،
يشمل من يستطيع الوصول،
ويستثني من يحتاج الوصول إليه.
يا أصحاب القرار…
هل جرّبتم أن تنظروا إلى الجنوب،
لا كمساحةٍ على الخريطة،
بل كنبضٍ في الجسد؟
أم أن الجسد عندنا يعيش بنظرية جديدة:
"إذا شبعت المعدة… فلتصبر الأطراف”؟
الغريب أن الجنوب،
رغم هذا "الإهمال المدروس”،
لا يزال أكثر وفاءً من كثيرٍ من المشاريع،
وأكثر ثباتاً من بعض الخطط،
وأكثر حضوراً في المواقف… من الحضور في التنمية.
فإن كنتم تبحثون عن وصفةٍ سريعة:
فلا حاجة لمؤتمراتٍ جديدة،
ولا لخططٍ تُكتب بحبرٍ فاخر…
كل ما في الأمر:
أن تعودوا إلى درسٍ بسيط في الأحياء…
أن الجسد لا يعيش بمعدةٍ وحدها.
وأن الأطراف…
إذا طال بها الجوع،
لا تصرخ…
بل تفقد الإحساس.
وعندها…
لا ينفع ضخّ الدم بعد فوات النبض.
...




