نضال أنور المجالي
في حياة الأمم والمؤسسات، لحظاتٌ فارقة تتجاوز حدود القرارات الإدارية لتصبح شهادة حق في سجل التاريخ. واليوم، ونحن نقرأ خبر تقديم القاضي المتميز عبد الحميد السحيمات لاستقالته، لا نقف أمام مجرد مغادرة لمنصب، بل أمام مشهدٍ مهيب لـ "فارسٍ" آثر أن يترجل عن صهوة الجود بعد مسيرةٍ حافلة، تاركاً خلفه إرثاً من النزاهة يضيء دروب العدالة.
سيرةٌ صاغتها الأمانة
لقد كان القاضي عبد الحميد السحيمات، طوال سنوات خدمته، مثالاً يُحتذى في الانضباط والإنجاز. لم يكن مجرد موظفٍ في سلك القضاء، بل كان حارساً أميناً على موازين الحق. في كل موقعٍ شغله، وفي كل قوسِ محكمةٍ اعتلاه، كان يضع مخافة الله نُصب عينيه، ومصلحة الوطن فوق كل اعتبار. خدم بأمانةٍ لم تشُبها شائبة، وبإخلاصٍ تجاوز حدود الواجب المهني ليكون عقيدةً ومنهج حياة.
ما ميز السحيمات هو تلك القدرة الفذة على الجمع بين صرامة القانون وروح العدالة. عرفته المحافل القضائية رجلاً لا يحيد عن الحق، قادراً على إدارة أصعب الملفات بحنكةٍ واقتدار، موجهاً بوصلته دائماً نحو "الحقيقة" وحدها. إن تميزه لم يكن نتاج صدفة، بل حصاد فكرٍ مستنير وإيمانٍ عميق بأن القضاء هو "ملاذ المظلوم" و"هيبة الدولة".
إن تقديم الاستقالة في أوج العطاء هو شيمةُ الكبار الذين يعرفون متى يتركون المكان وهم في قمة حضورهم الذهني والمهني، لتبقى سيرتهم عطرةً في ذاكرة الزملاء والمواطنين على حدٍ سواء. لقد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وجسّد قيم النزاهة في أسمى صورها.
"عطوفة القاضي عبد الحميد السحيمات، نودع فيك اليوم القائد الميداني في ساحات القضاء، لكننا لا نودع فيك القدوة. ستبقى مسيرتك مدرسةً للأجيال القادمة في كيفية الموازنة بين السلطة والمسؤولية، وبين الإنجاز والتواضع."
لقد خدمتم فأخلصتم، وبنيتم فأعليتم البنيان. حفظكم الله في حِلّكم وترحالكم، وستبقى بصماتكم في "قصور العدل" شاهدةً على قاضٍ لم يبع دينه بدنياه، ولم تأخذه في الحق لومة لائم.
حفظ الله الاردن والهاشمين




