ملف الطاقة والأزمة...
القلعة نيوز -
بدأت الحرب على إيران، وبدأت معها التوقعات؛ فكان الخوف من اتساع دائرة الحرب في هذه المنطقة الحساسة والهشة من العالم. لم نكن ندري حجم الصادرات ولا التأثير الذي يتحكم به هذا المضيق المدعو "هرمز"، ولكن مع الزمن بدأت تتضح الأمور، واتضح أنه حتى أمريكا لم تكن بمعزل عن تأثير هذا المضيق. ويبدو أن حال الخزينة هو تماماً كحال المواطن، بالكاد يتحمل إضافات جديدة على فاتورته الشهرية. وبدأت الأسعار بالارتفاع، وساهم في ذلك وجود جماعة في البيت الأبيض لها دور في ارتفاع الأسعارومحاولة التحكم بها، وصناعة ثروات ضخمة عبر فرض سيناريوهات معينة وتوقيت الضربات، وإطلاق الإشاعات بالتزامن مع إغلاق وفتح البورصات ونقل الأموال الساخنة، والتأثير على أسعار الطاقة أكثر مما يتحكم به لهيب المعركة.
منظومة الطاقة في المملكة -والكلام لمعالي وزير الطاقة الدكتور صالح الخرابشة، الذي قام "ملتقى النخبة (elite)" بزيارته في مكتبه صباح اليوم- هي منظومة تم العمل عليها بشكل جيد خلال الفترة الماضية، وتملك مجموعة من الخيارات والبدائل للتنقل بينها؛ من الوقود الثقيل إلى الديزل والطاقة المتجددة والصخر الزيتي، مع أنها تعتمد على الغاز بصفته المدخل الأقل سعراً وتأثيراً على الحياة الاقتصادية في البلد، وهو مضمون التدفق، وتم التعاقد لشرائه من خلال شركة أمريكية هي المالكة للشركة المنتجة. ونعم، هو غاز احتلال والكل يدرك ذلك، ولذلك تسعى الوزارة لتوفير البدائل المحلية للتحرر من هذه العقود في أقرب فرصة.
يغطي الغاز المنتج محلياً نسبة 27% من إنتاج الكهرباء، ويساهم الصخر الزيتي بنسبة تصل إلى 13%، ونسبة 60% يغطيها الاستيراد، وعند توقف الغاز تم التوجه إلى البدائل المتاحة لتعويض النقص. نعم، نحن لا نتأثر بشكل مباشر بمضيق هرمز لأننا نستورد من المصافي الموجودة على البحر الأحمر، ولكن التأثيرات الارتدادية لارتفاع الأسعار هي التي أثرت؛ فارتفعت فاتورة الطاقة في شهر آذار إلى 87 مليون دينار، وهنا اتخذت الحكومة قراراً بتحمل هذه الزيادة وعدم عكسها على المواطن، كما فعلت الكثير من الدول المحلية والدولية. وهنا بدأ التفكير في السيناريوهات المطروحة: خطة طوارئ في حال استمرت الحرب وتأثرت إمدادات الطاقة، تخفيض أحمال، انقطاع مبرمج لمدد محددة، إضاءة الشوارع وغيرها. نعم، لدينا مخزون استراتيجي يكفي لثلاثين يوماً، ولكن رفض الوزير الإفصاح عن ذلك إعلامياً في حينه لأن الأمر يتعلق بالأمن الوطني. وبدأ القلق يساور الجميع بقدرة الوزارةوالهيئات والشركات الموجودة في القطاع على تحمل الظروف بشكل لا ينعكس أثره على المواطن. وبدأت دول مجاورة في ممارسة بعض هذه الخطط لخفض استهلاك الطاقة، وكان القرار بأن تتحمل الخزينة الفرق، وتغطي الفاتورة رغم ارتفاعها في هذه المرحلة، وتأجيل إجراءات الطوارئ. ونتيجة لهذه الإجراءات استمر التزويد بالكهرباء والغاز للمنازل، والوقود بأنواعه لمحطات الوقود، ولم يعانِ المواطن من أي انقطاع خلال هذه الأزمة.
هذه الظروف وغيرها التي تعرضت لها المملكة خلال السنوات السابقة جعلت خطتها واضحة في رفع مساهمة الغاز المنتج محلياً، ورفع الكميات المكتشفة والمنتجة منه، والتي بدأت مؤشراتها ترتفع، ومن المتوقع أن تتجاوز 400 مليون متر مكعب، وهذا يتجاوز نقطة التعادل في إنتاج الكهرباء في عام 2029، ويؤمّن كميات تساعد في إيصال الغاز إلى المصانع والمنازل بشكل مباشر. وهناك دراسة لتمديد أنبوب لنقل الغاز إلى محطات التوليد، وخطة طموحة تعمل عليها الوزارة لتحويل مركبات النقل والمركبات الخاصة للعمل على الغاز، وهذا سيساهم في تخفيض كلف الطاقة على الصناعة والتجارة والمواطن بشكل مباشر وغير مباشر.
ومن جهة أخرى تسعى الوزارة للضغط على شركات الكهرباء لتخفيض كلفها سنوياً، والسيطرة على الفاقد الكهربائي الذي يشكل ما نسبته 16% (حوالي 260 مليوناً سنوياً). وتطالب الوزارة بنسبة ثابتة لتخفيض هذا الفاقد لا تقل عن واحد بالمئة سنوياً. ومن خلال شركة الصقر المملوكة بشكل كامل للحكومة، تسعى لرفع نسبة مساهمة هذه الشركة في التوليد، علماً بأنها وصلت إلى 45% حالياً، ورفع مساهمة الطاقة المتجددة عبر خطط مستدامة تعتمد حالياً على بحيرة صناعية على سد الموجب؛ بحيث يتم رفع المياه من خلال الطاقة المتولدة نهاراً، واستغلال تدفقها ليلاً لتوليد الكهرباء؛ حيث إن مشكلة الطاقة المتجددة أنه يتم توليدها في وقت لا يُحتاج إليها، ولذلك تأتي هذه المشاريع عالية التكلفة كسبيل لتخزين هذه الطاقة لحين احتياجها ليلاً أو في الظروف الغائمة. وهنا أعلن الوزير بأنه لا مشكلة نهائياً في أن ينفصل المواطن عن الشبكة ويؤمن نظاماً متكاملاً يوفر له الطاقة التي يحتاجها، ولكن المشكلة اليوم التي يعاني منها الطرفان (المواطن والوزارة) في الطاقة المتجددة هي الكلف العالية التي تدفعها لتأمينه بالطاقة التي يحتاجها في وقت لا تستطيع الاستفادة من الطاقة التي يتم توليدها. وهنا تأتي فكرة "التعرفة المرتبطة بالزمن" لتشكل مساهمة في حل هذه المشكلة، بحيث يبرمج المواطن نفسه لاستخدام الطاقة في أوقات غير أوقات الذروة. وتم توجيه المصانع لاستغلال هذه الفترات، بل تم إطلاق برنامج توجيهي تدريبي مجاني من الوزارة بالتنسيق مع وزارة الصناعة وغرف الصناعة والمناطق الصناعية للصناعيين؛ لتدريبهم على تخفيض كثافة استهلاك الطاقة في الإنتاج، لأنها مرتفعة جداً في الأردن وتصل إلى حوالي ثلاثة أضعاف النسب العالمية. وقد استفادت بعض المصانع من هذا البرنامج وخفضت الكلف بعشرات الآلاف من الدنانير شهرياً، وهذا ينعكس على المنتج الوطني وعليهم وعلى المواطن.
الواقع العربي لم يكن غائباً عن النقاش، حيث إن الواقع في سوريا يحتاج إلى بناء بنية تحتية فُقدت خلال الحرب، وهذه تحتاج إلى سنوات. نعم، هناك اتفاقات ودراسات لبيع الكهرباء والغاز. والواقع مع العراق الشقيق عالق بالنسبة لأنبوب نقل النفط، وهو في الحقيقة يخدم العراق الشقيق بشكل أكبر ويؤمّن له بديلاً حيوياً لتصدير نفطه في مثل هذه الظروف التي تتعرض لها المنطقة. وبالنسبة للكميات التي يتم استيرادها بالصهاريج من العراق، فهي تباع بسعر أقل بـ 16 دولاراً للبرميل، وهو من النوع الثقيل الذي يضاف إلى النفط الخفيف في المصفاة، وهي توفر مبلغاً بسيطاً حوالي 26 مليوناً سنوياً، ومن الممكن استخدام شركات النقل هذه لنقل النفط عند الحاجة من دول الخليج المجاورة.
الثروات المعدنية والنحاس لم تغب أيضاً عن النقاش، وهنا يصطدم الواقع مع التحديات؛ حيث إن سلسلة الجبال الموجودة في الجنوب والممتدة في أكثر من عشرة بلدان يوجد بها مناجم ويتم استخراج المواد الخام الموجودة فيها، ونحن ما زلنا نراوح مكاننا منذ حوالي مائة عام. نعم، الشركات العالمية تأتي بناءً على دراسات ومسوحات وعينات، ولا بد من وجود عائد مغري للاستثمار، وهذا ما حدث بداية مع شركات توليد الطاقة، وإن كان بعضهم قد استغل السعر المرتفع ولم يلجأ إلى التوليد إلا بعد انخفاض الكلف، خاصة أنه كان لديه تراخيص لم يستخدمها. والوزارة واعية لهذه الفئة وتسعى لخفض هذه التعاقدات، ولكن باقي قطاعات التعدين لا بد من التحرك فيها بشكل أسرع لأن ذلك يخلق فرص عمل ويؤمّن دخلاً للخزينة. وبالنسبة لناقل البحرين، سيتم تأمين طاقة منفصلة له تعتمد بشكل أساسي على الطاقة المتجددة.
اللقاء مع معالي "أبو علي" هو لقاء دسم من حيث المادة والأرقام والمعلومات، ولكن أقول ما كنت أؤمن به خلال هذه الأزمة بأن ملف الطاقة بأيدٍ أمينة، وهذا ما ثبت خلال التجربة والبرهان والسنوات.
بالغ الاحترام والتقدير...
إبراهيم أبو حويله...




