في ذكرى الاستقلال: مسيرة دولة ونهج قيادة
القلعة نيوز -
أ.د. هايل مضفي البري
يُعدُّ الاستقلال من أبرز المحطات التاريخية المهمة في حياة الأمم والشعوب، وقد جاهدت معظم الشعوب لتحقيق استقلالها. وجاء استقلال الأردن تتويجًا لمسار تاريخي طويل ارتبط بالنهضة العربية الكبرى التي حمل رايتها الشريف الحسين بن علي، طيب الله ثراه، منذ عام 1916، إذ رفع شعارات: النهضة والحرية والوحدة والاستقلال، وهي المبادئ التي قامت عليها الدولة الأردنية منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا.
وكان للقيادة الهاشمية والنخب السياسية الأردنية دورٌ مميز في هذا المجال، وارتبط استقلال الأردن بشخصيات وطنية بارزة، يأتي في مقدمتها الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين، طيب الله ثراه، الذي لعب الدور الأبرز في تأسيس الدولة من خلال إنشاء المؤسسات الإدارية والقضائية والتعليمية، وتحقيق الأمن والاستقرار، وترسيخ مفهوم الدولة القائمة على القانون والنظام. وخلال خمسة وعشرين عامًا من العمل المستمر، تطورت إمارة شرقي الأردن سياسيًا وإداريًا حتى حصلت على استقلالها في الخامس والعشرين من أيار عام 1946، وأعلن المجلس التشريعي الخامس هذا المنجز التاريخي، وتُوِّج الأمير عبد الله بن الحسين ملكًا على المملكة الأردنية الهاشمية.
وشهد عهد الملك طلال بن عبد الله، طيب الله ثراه، محطة دستورية مهمة تمثلت في إصدار دستور عام 1952م، الذي يُعد من أكثر الدساتير تقدمًا، إذ كرس مبادئ الحكم النيابي الملكي الوراثي، وحقوق المواطنين وحرياتهم، ومبدأ الفصل بين السلطات. وشكل هذا الدستور أساس الحياة السياسية وتنظيم شؤون الدولة الحديثة، وأسهم في تعزيز العلاقات بين الأردن والدول الشقيقة والصديقة.
أما عهد الملك الباني الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، الذي حمل لواء الاستقلال، فقد شهد ترسيخ أركان الدولة المستقلة، إذ عمل طوال فترة حكمه على تعزيز مسيرة البناء الوطني. وشهد عهده تقدمًا ملحوظًا في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية، وتعزيز دور الأردن السياسي والإنساني عربيًا ودوليًا. كما شهد تعريب قيادة الجيش العربي عام 1956، وإلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية عام 1957. واستطاع الأردن في تلك الحقبة، رغم محدودية الموارد وكثرة التحديات، المحافظة على أمنه واستقراره، وتعزيز مفهوم المواطنة وسيادة القانون، وتطوير مؤسسات الدولة بما يلبي احتياجات المجتمع ويواكب متطلبات العصر.
ومع تولي جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية عام 1999م، مارس دورًا محوريًا في تحقيق رفعة الدولة الأردنية وتقدمها من خلال رؤية عصرية حديثة، تمثلت في مشروع إصلاحي شامل يستهدف بناء اقتصاد متين، وتعزيز المشاركة السياسية، وتمكين المرأة والشباب، ومواكبة التطورات التكنولوجية والتعليمية. كما كان له دور كبير في تحديث المنظومة التشريعية، بما في ذلك الدستور والقوانين والأنظمة المختلفة.
وانطلقت مسيرة التحديث في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، وانفتاح الحدود الجغرافية أمام الفكر الواعي، وترسيخ قيم الحوار وقبول الرأي والرأي الآخر. وتمثل هذه الرؤية العصرية لجلالة الملك نهجًا متقدمًا لتعزيز الديمقراطية وسيادة القانون، وبناء قدرات الموارد البشرية، واستثمار طاقات الشباب في خدمة الوطن. كما شهدت المملكة تنمية شاملة في مختلف المناطق، من المدن والأرياف والبوادي، وفي مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، مما أسهم في تطوير الصناعات الوطنية، وزيادة القدرة الإنتاجية في القطاعين الصناعي والزراعي.
وعلى الصعيد العسكري، أولى جلالة الملك اهتمامًا كبيرًا بتحديث وتطوير القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي – باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار الوطني، فحرص على أن يبقى جيشًا قويًا ومتوازنًا، يتمتع بأعلى درجات الكفاءة والانضباط والاحتراف. وقد اضطلع الجيش العربي بأدوار مهمة في مختلف الميادين المحلية والإقليمية والدولية.
ومن هنا، فإن الاستقلال يمثل مسيرة وطن انتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة ترسيخ الدولة ذات السيادة وبناء المؤسسات، كما أنه مشروع وطني متكامل لبناء دولة قادرة على حماية مصالح مواطنيها وتحقيق التنمية والازدهار. لقد صُنِع مجد الاستقلال بالإرادة الصلبة ونهج القيادة الهاشمية الحكيمة التي آمنت بأن الإنسان الأردني قادر على البناء والعطاء.
كما أن الاستقلال يمثل تجديدًا للعهد بين القيادة والشعب، ومواصلةً لمسيرة البناء، وحمايةً للمنجزات على مختلف الصعد. وإن مرحلة ما بعد الاستقلال مسؤولية مشتركة تتطلب من الجميع الإسهام والبذل والعطاء والعمل المخلص لخدمة الوطن العزيز.
ويبقى يوم الخامس والعشرين من أيار يومًا مميزًا في الذاكرة الوطنية الأردنية، ورمزًا للحرية والسيادة والكرامة، وشاهدًا على إنجازات الآباء والأجداد. واليوم تواصل الأجيال مسيرتها بكل أمل وطموح تحت قيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، ليبقى الأردن آمنًا مستقرًا، ومنارةً للإنجاز والعطاء في محيطه العربي والدولي.
حفظ الله الأردن، والأسرة الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، وولي عهده الأمين، من كل مكروه.




