النقاط العمياء في الإدراك
القلعة نيوز -
المواطن مصالحه تختلف عن مصالح القطاع الخاص والصناعي، والمزارع تتعارض نشاطاته مع المواطن ، ووزير الصناعة يسعى في إطار تنافسي تمامًا مع العمل والخدمات والاستيراد، والاستثمار يُغرّد منفردًا بعيدًا عن الطاقة والضريبة. رئيس الوزراء هو فعلًا "المايسترو" الذي قد يعطينا لحنًا رائعًا، أو نعلق معه في النقاط العمياء.
الحوكمة، وهي كما يشير أكثر من مصدر، تحقيق التوازن بين السلطة والمسؤولية، وضمان العدالة والشفافية والمشاركة والمساءلة، وهي منظومة من المبادئ والمؤسسات والآليات التي تضمن إدارة الشأن العام بكفاءة وعدالة وشفافية، ضمن آليات واضحة للرقابة والمحاسبة، مع مشاركة فاعلة للمواطن. وهنا لا بد من سيادة فاعلة للقوانين والتشريعات، ضمن رؤية استراتيجية واضحة. (كلام جميل).
هل هذه النقاط العمياء مقتصرة على العلاقات البينية بين البشر؟ في دراسة قامت بها جامعة هارفارد عن الفجوة الإدراكية بين المواطن وصنّاع القرار في العالم الغربي، خلصت إلى أن الكثير من السياسات تفشل لأنها لا تأخذ بالحسبان الإدراك الشعبي للعدالة والمساواة. وخلص مركز "بيو" المتخصص في الأبحاث إلى أن 64% من الأمريكيين يعتقدون أن السياسيين منفصلون عن هموم الناس. وهنا، وعند العودة إلى الأسباب، تطفو على السطح تصورات متباينة للواقع. وسأسوق مثالًا واقعيًا من واقعنا السياسي: لنأخذ مثلًا مشكلة اللحمة الجورجية، فالمواطن فهم بأن هناك "حيتانًا" يسيطرون على هذا السوق، ولن يسمحوا لمواطن أن يؤمّن اللحوم بأسعار منخفضة منافسة وجودة عالية. ولكن وزارة الزراعة هنا قامت بزيارة ميدانية واطّلعت على الواقع هناك، وأطلعت هذا الطرف على شروط الذبح في البلد المنشأ أو في الأردن، وأنه يجب أن يلتزم بالمعايير الصحية والسلامة، وهي نفس الشروط التي تُطبّق على المستوردين الآخرين. هنا اتضح لهذا الطرف بأنه لن يستطيع أن يذبح كيفما شاء وأينما أراد، بل لا بد من فحوصات وذبح ضمن إشراف صحي وسلامة عامة، فهذا غذاء وله معايير وشروط. وبدون الخوض في باقي التفاصيل، اتضح التباين بين الطرفين.
عندما نتكلم في موضوعٍ ما، نفترض أن الطرف الآخر يفهم ما نقصده أو ما نلمّح إليه، وعندما يقع خطأ ما في الفهم، نفترض بأن الشخص ليس لديه القدرة على فهم الفكرة أو الموضوع. وإذا تحفّظ على الفكرة أو رفضها، نشعر بضيق أو حرج، حتى لو كانت وجهة النظر أو الرأي المطروح فيه منطق قوي. وعندما يبدأ بالكلام، نتجه فورًا إلى الأسلحة الفكرية والنقدية لتعرية الطرح الذي تقدّم به. وهنا، أنا لا أستمع حقًا، ولا أحاول فهم هذه الكلمات التي تُقال، أنا فقط أُجهّز نفسي للرد على الفكرة، وليس للتدقيق فيها وتحديد ما إذا كان هناك صواب فيها، ولكن لردّها. وهنا، ليست لدينا نية حقيقية لمراجعة الأقوال والأفكار، بل للتعامل وفق ثقة مطلقة بالذات، أو إفراط في الثقة بشيء من الممكن أن يكون خاطئًا. هل هذا يُسمّى حدسًا فقط، وليس تحليلًا أو رأيًا مبنيًا على أدلة أو حقائق؟ ما تم ذكره هنا يُسمّى: (التواصل والنية، والتحيّز للذات، وتقبّل النقد، والتغذية الراجعة، والاستماع الفعّال، ومراجعة القرارات، وردود الأفعال المتكرّرة، والثقة المطلقة بالحدس). وهنا تزداد أو تنقص النقاط العمياء بحسب معادلة دقيقة يعتمدها علماء النفس.
وهكذا نعلق في حالة من فقدان الثقة، وانعدام التغذية الراجعة، والاختلاف في الأولويات. هل التأخير في هذا المشروع أو ذاك سليم؟ وهل إحالة هذا العطاء سليمة؟ وهل هناك تعقيدات في هذا القرار ليست ظاهرة إلا لأصحاب الخبرة؟ هل هذه المشكلة أولى من تلك أم تلك أولى؟ إذًا هناك فجوة حقيقية بين الرؤية الرسمية والرؤية الشعبية. هل السياسي يُدرك الحاجة الإنسانية للمواطن وتطلعاته ورغباته؟ وهل المواطن، في المقابل، يُدرك الصورة الشاملة التي تفرض واقعها وتحدياتها الداخلية والخارجية على السياسي؟ وأين من الممكن أن يكون الحق؟ هنا أم هناك؟
وهنا يظهر الدور الحقيقي الغائب الحاضر لمجلسي النواب والأعيان، فهما العينان اللتان تُبصر بهما الحكومة والشعب. هل هناك تواصل حقيقي؟ واستماع فعلي لحاجات وتحديات الطرفين؟ هل هناك إدماج حقيقي للمجتمع المدني في اتخاذ القرار؟ هل هناك استماع وتفاعل وتركيز وتمحيص وتحليل؟ أم هي مجرد نقاط عمياء، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؟ هل يتم ردم الفجوة بين الرؤية الرسمية والشعبية أم تتسع؟ وهنا نعلق مرة أخرى في الحوكمة.
ولكن المشكلة العامة التي يعاني منها عالمنا العربي هي تلك النقاط العمياء التي تحجب الرؤية عن الطرفين، وينعدم التواصل بينهما، ونعلق في الأماكن المعتمة. والحل كما أراه، هو في شخص رئيس الوزراء، مع بالغ الاحترام، فهو الوحيد القادر على إحداث التوازن، وصناعة الفعل اللازم من فريقه الوزاري، ليحدث التوازن المطلوب بين مصالح متضاربة، ومتنافسة، وأحيانًا متصارعة ومتحاربة.
إبراهيم أبو حويله




