غزل بني هاني
إبراهيم الشواهين
أغلبنا نشأ في بيت يسمع فيه الأبناء من آبائهم عبارة: "نريدك أن تصبح دكتورًا أو مهندسًا”. يكبر الابن وهو يحمل هذه الفكرة، حتى وإن لم يكن يعرف إن كان سيحب التخصص أو يبدع فيه أو يمنحه حقه. المشكلة الحقيقية أن الأهل يعتقدون أن الطب والهندسة أهم من أي تخصص آخر، بسبب هوس الألقاب: "ابني/بنتي دكتور/ة” أو "ابني/بنتي مهندس/ة”. هذه النظرة تجعل من هذين التخصصين معيارًا للنجاح والمكانة، حتى لو لم يرتبطا بالإنتاجية الفعلية أو بحاجات السوق، بينما يُنظر إلى أي تخصص آخر وكأنه بلا قيمة أو "تخصص فاشل لا مستقبل له”.
المسألة ليست تقنية فحسب، بل ثقافية واجتماعية؛ فالمجتمع يقيس النجاح باللقب الأكاديمي لا بالكفاءة أو الأثر. هذا التصنيف يُضعف من قيمة المهن اليدوية والتقنية، ويحوّل اختيار التخصص إلى مسألة سمعة أكثر منها قرارًا مهنيًا مدروسًا. النتيجة أن طلاب التعليم المهني يشعرون بالدونية، فيما ينتهي كثير من خريجي الطب والهندسة بلا وظيفة مناسبة أو في وظائف لا تحتاج سنوات الدراسة التي قضوها، لكنهم يحتفظون بلقب يرضي العائلة والمجتمع.
وعلى مستوى السياسات، تتحمل الحكومات والمؤسسات التعليمية جزءًا كبيرًا من المسؤولية؛ إذ إن السياسات الحالية لا تربط مخرجات التعليم باحتياجات السوق بشكل فعّال، ولا تمنح التعليم المهني الاعتراف والتمويل الكافيين. غياب الشراكات الحقيقية مع القطاع الخاص، ونقص برامج التدريب العملي، يجعل الخريج المهني أقل قدرة على المنافسة، ويترك الخريج الجامعي في تخصص مشبع بلا فرص حقيقية.
التغيير ممكن وضروري، ويتطلب خطوات عملية متوازنة: ربط المناهج بسوق العمل عبر شراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الصناعية، بحيث يصبح التدريب العملي جزءًا أساسيًا من المسار التعليمي. ترقية مكانة التعليم المهني عبر شهادات معترف بها ومسارات وظيفية واضحة ومكافآت تشجع الشباب على اختياره عن قناعة. إطلاق حملات توعية تستهدف الأهالي والمدارس لتغيير مفهوم النجاح من لقب إلى أثر ومهارة. دعم مالي وتقني للمؤسسات المهنية لتحسين البنية التحتية وجودة التدريب. وأخيرًا، فتح مسارات هجينة تسمح للطلاب بالانتقال بين التعليم التقني والأكاديمي دون وصمة أو خسارة زمنية.
الخلاصة واضحة: إذا استمر المجتمع في الركض وراء الألقاب وترك السوق ينهار، سنبقى ننتج بطالة مقنّعة ونحبط شبابنا. المطلوب اليوم ليس دكتورًا إضافيًا ولا مهندسًا آخر، بل نظام تعليمي مرتبط بالواقع، موارد حقيقية للتعليم المهني، ومسارات واضحة للأكاديميين والفنيين على حد سواء. النجاح ليس لقبًا، النجاح أثر؛ ومن لا يخلق أثرًا سيبقى مجرد شهادة معلّقة على الحائط. إمّا أن نغيّر نظرتنا للتعليم، أو نعيد نفس المأساة جيلًا بعد جيل.




