د. حاكم المحاميد
في كلِّ مرةٍ تُختبر فيها الأمة، يقف الأردن في الصف الأول؛ لا باعتباره دولةً تبحث عن دور، بل وطناً يعرف موقعه التاريخي، وقيادةً تدرك أن القدس ليست قضية سياسية عابرة، بل عقيدة موقف، ووصية تاريخ، وامتداد لهويةٍ عربيةٍ وإسلامية لا تقبل المساومة.
وفي ذكرى النكبة، بدت المسيرات التي عمّت عمّان والمحافظات الأردنية وكأنها استفتاء شعبي على ثوابت الدولة الأردنية ومواقف جلالة الملك عبدالله الثاني تجاه القضية الفلسطينية والأقصى المبارك. لم تكن مجرد حشودٍ في الشوارع، بل كانت صوت الناس وهي تقول إن الأردن، قيادةً وشعباً، لا يزال يقف في الخندق ذاته؛ خندق الدفاع عن فلسطين ورفض التهجير والتوطين والوطن البديل، والتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية.
لقد حمل جلالة الملك، طوال السنوات الماضية، عبء الدفاع عن القدس في أصعب الظروف وأكثرها تعقيداً، وظل صوته واضحاً في المحافل الدولية، ثابتاً لا يتبدل، مؤكداً أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية مسؤولية تاريخية لا يمكن التخلي عنها، وأن المسجد الأقصى المبارك ليس قضية تفاوض، بل قضية حق وهوية وكرامة أمة.
ولهذا خرج الأردنيون إلى الشوارع؛ لأنهم شعروا أن موقف الملك يشبه ضميرهم الوطني، ويعبّر عن وجدانهم العميق تجاه فلسطين. فالأردني، مهما تغيّرت الظروف، يحمل القدس في وجدانه، ويرى في فلسطين جزءاً من ذاكرته الجمعية وتاريخه وامتداداً لعروبته الأصيلة.
وفي تلك المسيرات، امتزجت الأعلام الأردنية والفلسطينية في مشهدٍ بدا أكبر من مجرد فعالية شعبية؛ كان إعلاناً صامتاً بأن العلاقة بين الشعبين ليست علاقة حدود، بل علاقة دمٍ ومصيرٍ وتاريخ طويل من التضحيات المشتركة. كانت الهتافات تقول إن النكبة، رغم مرور العقود، لم تتحول إلى ذكرى بعيدة، بل بقيت جرحاً عربياً مفتوحاً، وحقيقةً تسكن الوعي الأردني جيلاً بعد جيل.
الأردن، الذي قدّم الشهداء على أسوار القدس، لا يزال يرى في الدفاع عن فلسطين دفاعاً عن نفسه وهويته ومكانته العربية. ولهذا بقي ثابتاً، لا تغيّره العواصف، ولا تجرّه الحسابات الضيقة بعيداً عن بوصلته التاريخية.
وهكذا، في ذكرى النكبة، لم يكن الأردنيون يحيون الماضي فقط، بل كانوا يؤكدون أن فلسطين لا تزال حاضرة في الوجدان، وأن القدس ما تزال عنوان الكرامة العربية، وأن الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الوفي، سيبقى كما كان دائماً؛ صوتاً للحق، وسنداً لفلسطين، وحارساً للأقصى.




