د. عادل محمد الوهادنة
عندما تُذكر السرديات الوطنية، يذهب الذهن عادة إلى التاريخ، الذاكرة، الأبطال، والحكايات المؤسسة للدول. لكن العالم تغيّر. لم تعد السردية الوطنية مجرد نص ثقافي أو كتاب تاريخ أو مشروع أرشفة. في الاقتصاد السياسي الحديث أصبحت السردية أصلًا استراتيجيًا يعادل المطارات والموانئ والطاقة والطرق.
تشير دراسات الاقتصاد السلوكي والدبلوماسية العامة إلى أن الصورة الذهنية للدول أصبحت تؤثر في قرارات الاستثمار والهجرة والسياحة والتعاون العلمي أكثر مما كانت تفعل قبل عقدين. اليوم، قد تؤثر سمعة دولة على مليارات الدولارات من التدفقات الاقتصادية غير المباشرة.
ومن هنا يمكن قراءة دعوة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني لتوثيق السردية الأردنية بطريقة أعمق بكثير من كونها مشروع توثيق أو حفظ للذاكرة؛ فقد تكون في جوهرها محاولة لإعادة تعريف السؤال الأردني نفسه.
ليس: ماذا حدث للأردن؟
بل:
ما وظيفة الأردن في العالم القادم؟
وهنا تكمن الفكرة التي لم تُطرح بما يكفي:
السردية كميزان إنتاج لا كمرآة تمجيد.
فالمرايا تُظهر الشكل، أما الموازين فتُظهر القيمة.
تابعتُ عشرات المقالات والندوات والاستجابات بعد دعوة سمو ولي العهد. وكان المشهد لافتًا؛ إذ اتجهت معظم الردود نحو التاريخ والهوية والذاكرة الجمعية والأرشفة الوطنية وحفظ الروايات المحلية. وكان ذلك مهمًا وضروريًا.
لكن جميعها تقريبًا انشغلت بسؤال:
كيف بدأ الأردن؟
بينما بقي سؤال آخر أكثر خطورة:
كيف سيصبح الأردن؟
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين المتحف والمختبر.
فالمتحف يحفظ الماضي، أما المختبر فيصنع المستقبل.
الدول الكبرى لم تنجح لأنها حفظت ذاكرتها فقط.
سنغافورة لم تكن تمتلك موارد طبيعية تُذكر، لكنها خلال عقود قليلة رفعت الناتج المحلي للفرد من بضعة مئات من الدولارات إلى أكثر من 80 ألف دولار تقريبًا، لأنها لم تسأل: من نحن؟ بل سألت: ما الذي نستطيع تقديمه للعالم؟
الإمارات لم تبن سرديتها على النفط وحده. في بعض السنوات أصبحت مساهمة القطاعات غير النفطية تتجاوز ثلاثة أرباع الاقتصاد.
أيرلندا لم تعتمد على تاريخها الطويل؛ بل صنعت سردية "اقتصاد المعرفة” حتى أصبحت من أكبر مراكز شركات التكنولوجيا عالميًا.
أما الأردن، فقصته مختلفة.
الأردن لا يملك وفرة نفطية.
ولا كتلة سكانية ضخمة.
ولا موارد مائية مستقرة.
بل إن حصة الفرد المائية أصبحت أقل من نحو 61 مترًا مكعبًا سنويًا، مقارنة بخط الندرة المطلقة البالغ 500 متر مكعب.
أي أن المواطن الأردني يعيش فعليًا على أقل من 12% من الحد الأدنى العالمي للندرة المطلقة.
ورغم ذلك:
استمرت الجامعات.
استمرت المستشفيات.
استمرت الخدمات.
استمرت الدولة.
وهنا يظهر سؤال جديد:
هل الأردن دولة موارد أم دولة إدارة؟
ربما كانت أكبر قصة غير مكتوبة عن الأردن أنه دولة نجحت في تحويل الضغط إلى قدرة مؤسساتية.
الأردن استضاف موجات لجوء متعاقبة لعقود طويلة؛ وتشير بيانات حديثة إلى مئات آلاف اللاجئين المسجلين، بينما تقدر أعداد المقيمين بأرقام أعلى.
في دول كثيرة يؤدي هذا الحجم من الضغوط إلى اضطراب حاد في الخدمات والبنية التحتية.
لكن الأردن بقي قادرًا على العمل.
وهنا أقترح مفهومًا جديدًا:
معامل المرونة الوطنية الأردني (Jordan National Resilience Coefficient)
وهو مؤشر لا يقيس الثروة أو الناتج فقط؛ بل يقيس:
قدرة الدولة على الاستمرار تحت الضغط.
قدرة المؤسسات على البقاء.
قدرة الخدمات على العمل.
قدرة المجتمع على الامتصاص.
لأن هناك دولًا غنية تتعطل تحت الصدمات، ودولًا محدودة الموارد تستمر.
وربما الأردن إحدى أهم الحالات العالمية التي تستحق الدراسة.
المفهوم الثاني:
الدولة الصغيرة ذات الوظيفة الكبرى.
في القرن العشرين كانت الدول تُقاس بالمساحة وعدد السكان.
أما اليوم فتقاس بعدد الوظائف التي تقدمها للعالم.
كم مركز تدريب؟
كم مركز علاج؟
كم جامعة؟
كم قدرة لوجستية؟
كم دور دبلوماسي؟
كم قيمة استقرار؟
الأردن قد يمتلك وظيفة إقليمية غير مكتوبة حتى الآن:
منصة تعليم طبي.
منصة تدريب صحي.
منصة استجابة للكوارث.
منصة استقرار إقليمي.
منصة خدمات متقدمة.
إذا عُرّفت هذه الوظيفة بدقة، فإن السردية تتحول من مشروع ثقافي إلى مشروع اقتصاد وطني.
الأرقام أحيانًا لا تصف كل شيء؛ لكنها تكشف الاتجاهات.
ففي عالم تتجاوز فيه قيمة الأصول غير الملموسة في بعض الاقتصادات الكبرى 80–90% من القيمة السوقية، تصبح السمعة والثقة والصورة الذهنية أصولًا حقيقية.
والدول كذلك.
إذا نجحت السردية الأردنية في تحويل الاستقرار إلى قيمة اقتصادية، والخبرة إلى علامة وطنية، والضغط إلى مدرسة إدارة؛ فقد تتحول من مشروع توثيق إلى مشروع دولة.
الخلاصة
ما قاله الآخرون عن السردية الأردنية كان مهمًا؛ فقد بدأوا من المكان الصحيح: الذاكرة.
لكن الدول لا تعيش بالذاكرة وحدها.
المتاحف تحفظ الأمم، لكنها لا تبني الاقتصادات.
وربما تكمن عبقرية دعوة سمو ولي العهد في أنها قد تُقرأ بطريقة أوسع بكثير من مجرد التوثيق.
فإذا كانت المرحلة الأولى من المشروع سألت:
من نحن؟
فالمرحلة الثانية يجب أن تسأل:
ما وظيفة الأردن في العالم القادم؟
وعندها فقط تتحول السردية من كتاب يوضع على الرفوف إلى محرك وطني يعمل بصمت لعقود.
فالأردن لا يحتاج فقط أن يروي قصته للعالم.
الأردن يحتاج أن يجعل العالم يحتاج قصته.
تشير دراسات الاقتصاد السلوكي والدبلوماسية العامة إلى أن الصورة الذهنية للدول أصبحت تؤثر في قرارات الاستثمار والهجرة والسياحة والتعاون العلمي أكثر مما كانت تفعل قبل عقدين. اليوم، قد تؤثر سمعة دولة على مليارات الدولارات من التدفقات الاقتصادية غير المباشرة.
ومن هنا يمكن قراءة دعوة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني لتوثيق السردية الأردنية بطريقة أعمق بكثير من كونها مشروع توثيق أو حفظ للذاكرة؛ فقد تكون في جوهرها محاولة لإعادة تعريف السؤال الأردني نفسه.
ليس: ماذا حدث للأردن؟
بل:
ما وظيفة الأردن في العالم القادم؟
وهنا تكمن الفكرة التي لم تُطرح بما يكفي:
السردية كميزان إنتاج لا كمرآة تمجيد.
فالمرايا تُظهر الشكل، أما الموازين فتُظهر القيمة.
تابعتُ عشرات المقالات والندوات والاستجابات بعد دعوة سمو ولي العهد. وكان المشهد لافتًا؛ إذ اتجهت معظم الردود نحو التاريخ والهوية والذاكرة الجمعية والأرشفة الوطنية وحفظ الروايات المحلية. وكان ذلك مهمًا وضروريًا.
لكن جميعها تقريبًا انشغلت بسؤال:
كيف بدأ الأردن؟
بينما بقي سؤال آخر أكثر خطورة:
كيف سيصبح الأردن؟
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين المتحف والمختبر.
فالمتحف يحفظ الماضي، أما المختبر فيصنع المستقبل.
الدول الكبرى لم تنجح لأنها حفظت ذاكرتها فقط.
سنغافورة لم تكن تمتلك موارد طبيعية تُذكر، لكنها خلال عقود قليلة رفعت الناتج المحلي للفرد من بضعة مئات من الدولارات إلى أكثر من 80 ألف دولار تقريبًا، لأنها لم تسأل: من نحن؟ بل سألت: ما الذي نستطيع تقديمه للعالم؟
الإمارات لم تبن سرديتها على النفط وحده. في بعض السنوات أصبحت مساهمة القطاعات غير النفطية تتجاوز ثلاثة أرباع الاقتصاد.
أيرلندا لم تعتمد على تاريخها الطويل؛ بل صنعت سردية "اقتصاد المعرفة” حتى أصبحت من أكبر مراكز شركات التكنولوجيا عالميًا.
أما الأردن، فقصته مختلفة.
الأردن لا يملك وفرة نفطية.
ولا كتلة سكانية ضخمة.
ولا موارد مائية مستقرة.
بل إن حصة الفرد المائية أصبحت أقل من نحو 61 مترًا مكعبًا سنويًا، مقارنة بخط الندرة المطلقة البالغ 500 متر مكعب.
أي أن المواطن الأردني يعيش فعليًا على أقل من 12% من الحد الأدنى العالمي للندرة المطلقة.
ورغم ذلك:
استمرت الجامعات.
استمرت المستشفيات.
استمرت الخدمات.
استمرت الدولة.
وهنا يظهر سؤال جديد:
هل الأردن دولة موارد أم دولة إدارة؟
ربما كانت أكبر قصة غير مكتوبة عن الأردن أنه دولة نجحت في تحويل الضغط إلى قدرة مؤسساتية.
الأردن استضاف موجات لجوء متعاقبة لعقود طويلة؛ وتشير بيانات حديثة إلى مئات آلاف اللاجئين المسجلين، بينما تقدر أعداد المقيمين بأرقام أعلى.
في دول كثيرة يؤدي هذا الحجم من الضغوط إلى اضطراب حاد في الخدمات والبنية التحتية.
لكن الأردن بقي قادرًا على العمل.
وهنا أقترح مفهومًا جديدًا:
معامل المرونة الوطنية الأردني (Jordan National Resilience Coefficient)
وهو مؤشر لا يقيس الثروة أو الناتج فقط؛ بل يقيس:
قدرة الدولة على الاستمرار تحت الضغط.
قدرة المؤسسات على البقاء.
قدرة الخدمات على العمل.
قدرة المجتمع على الامتصاص.
لأن هناك دولًا غنية تتعطل تحت الصدمات، ودولًا محدودة الموارد تستمر.
وربما الأردن إحدى أهم الحالات العالمية التي تستحق الدراسة.
المفهوم الثاني:
الدولة الصغيرة ذات الوظيفة الكبرى.
في القرن العشرين كانت الدول تُقاس بالمساحة وعدد السكان.
أما اليوم فتقاس بعدد الوظائف التي تقدمها للعالم.
كم مركز تدريب؟
كم مركز علاج؟
كم جامعة؟
كم قدرة لوجستية؟
كم دور دبلوماسي؟
كم قيمة استقرار؟
الأردن قد يمتلك وظيفة إقليمية غير مكتوبة حتى الآن:
منصة تعليم طبي.
منصة تدريب صحي.
منصة استجابة للكوارث.
منصة استقرار إقليمي.
منصة خدمات متقدمة.
إذا عُرّفت هذه الوظيفة بدقة، فإن السردية تتحول من مشروع ثقافي إلى مشروع اقتصاد وطني.
الأرقام أحيانًا لا تصف كل شيء؛ لكنها تكشف الاتجاهات.
ففي عالم تتجاوز فيه قيمة الأصول غير الملموسة في بعض الاقتصادات الكبرى 80–90% من القيمة السوقية، تصبح السمعة والثقة والصورة الذهنية أصولًا حقيقية.
والدول كذلك.
إذا نجحت السردية الأردنية في تحويل الاستقرار إلى قيمة اقتصادية، والخبرة إلى علامة وطنية، والضغط إلى مدرسة إدارة؛ فقد تتحول من مشروع توثيق إلى مشروع دولة.
الخلاصة
ما قاله الآخرون عن السردية الأردنية كان مهمًا؛ فقد بدأوا من المكان الصحيح: الذاكرة.
لكن الدول لا تعيش بالذاكرة وحدها.
المتاحف تحفظ الأمم، لكنها لا تبني الاقتصادات.
وربما تكمن عبقرية دعوة سمو ولي العهد في أنها قد تُقرأ بطريقة أوسع بكثير من مجرد التوثيق.
فإذا كانت المرحلة الأولى من المشروع سألت:
من نحن؟
فالمرحلة الثانية يجب أن تسأل:
ما وظيفة الأردن في العالم القادم؟
وعندها فقط تتحول السردية من كتاب يوضع على الرفوف إلى محرك وطني يعمل بصمت لعقود.
فالأردن لا يحتاج فقط أن يروي قصته للعالم.
الأردن يحتاج أن يجعل العالم يحتاج قصته.




