القلعة نيوز -
بين طيات الذاكرة وخلف ملامح السنين الفانية تقف قامة لم تنحن إلا لبارئها قامة رجل وهب زهرة شبابه وثلاثين عاما من عمره متزينا
بشعار الجيش العربي الأردني الأبي كان مرابطا على ثغور الوطن يحمل روحه على كفه ويغيب عن بيته وأهله بالشهور تاركا خلفه اطفال صغار هم أحوج له لكن الوطن من فاز بقلب ابي وفي نفس الوقت قلوبهم تدعو له في كل لحظة وفي كل حين مع كل خفقة قلب ومع كل رم شكورا من بشر بل كان مدفوعا بعقيدة راسخة أن حماية الأوطان من أسمى آيات الإيمان وفي هذا المقام يستحضرشة عين تترقب عودته مع كل فجر
لقد كان غيابه عنا جهاداً وصبرنا على فراقه قربه منا قدمناه فداء لتراب هذا الوطن لم يكن ابي يبتغي جزاءا ولاني قوله تعالى:-
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (الأحزاب: 23).
لقد كان أبي من أولئك الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه لم يغير ولم يبدل وبقي مخلصا لبندقيته ولقسمه العسكري حتى رمت السنون بأثقالها عليه لكن ومما يدمي الفؤاد ويشعل في النفس لوعة الحزن أن نرى هذا التاريخ الحافل بالتضحيات يطوى في زوايا النسيان دون تقدير يليق بحجم الدماء والدموع التي سكبت والأشد إيلاما والأقسى على النفس هو أن نرى مشهدا مقلوبا في زمن عز فيه الإنصاف زمن تصدر فيه المشهد من لم يعرفوا حقا ومن كانت مواقفهم خذلانا وخيانتا وضدا ومكيدتا
عجيب هذا الزمان الذي يقصى فيه المخلص الصامت ويدفع فيه إلى الواجهة والمناصب والمسؤوليات من تسلقوا على أكتاف الشرفاء إنها المفارقة التي تجعل الحليم حيرانا حين يرى الأمانة تسند إلى غير أهلها وصدق فيهم وعيد الحق سبحانه وتعالى في وصف المنافقين والمتسلقين:-
{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (آل عمران: 188).
فأولئك الذين لم يقدموا قطرة عرق واحدة يتنعمون اليوم بالمناصب ويحمدون على ما لم يفعلوه بينما أصحاب الدثار الخشن والجباه السمراء كمثل أبي يقفون على هامش التقدير الدنيوية يا أبي إن جحدك أهل الأرض فإن عين السماء لم تنم إن لم ينصفك تقييم البشر ومناصبهم الزائلة فإن تضحياتك مكتوبة في صحائف المجد عند رب لا يظلم مثقال ذرة رب عظيم.
أبي ثلاثون عاما من الشرف العسكري والخدمة العسكرية هي نياشين محفورة في قلوبنا
كانت شهور الغياب والبرد والحر في معسكرات الجيش هي رصيدك الذي لا ينفد من الكرامة.
إن عزة النفس التي أورثتنا إياها هي المنصب الأسمى الذي لا يزول بزوال الكراسي
نعلم يا أبي أن الحقائق قد تقلب في الدنيا وأن الباطل قد يرتدي ثوب المسؤولية زورا ولكننا نوقن يقينا تاما بقوله تعالى:-
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} (الرعد: 17).
سيبقى فعلك تبرا مكث في الأرض وفي وجدان الوطن وسيبقى ذكر المتسلقين زبدا يذهب جفاء ولو بعد حين بوركت تضحيتك يا أبي وبورك شيبك الطاهر ولك منا ومن الشرفاء كل انحناءا وإجلالا وتقديرا وإن غفل عنك المسؤولين فلك من الله الأجر العظيم والرحمة الواسعة وجنة عرضها السموات والأرض.
بقلم معن عمر الذنيبات




