شريط الأخبار
إحباط محاولة إدخال هرمونات محظورة التداول عبر حدود جابر اجتماع أردني سوري في دمشق لبحث المشاريع الاستراتيجية ضبط 188 كغم لحوم منتهية الصلاحية في الكرك باكستان: سنناقش مع السعودية وتركيا دعم الرياض بموجب اتفاقية الدفاع دول غادرت وفودها قاعة الأمم المتحدة لحظة خطاب نتنياهو (أسماء) الصفدي يؤكد ضرورة حماية الأونروا من محاولات الاغتيال السياسي التي تستهدفها وفد وزاري أردني يختتم جولة في ألمانيا الأمن العام يُشارك بتشييع جثمان العريف يعقوب فايز يعقوب شرف *المسرحية السنوية والاخراج سئي* ولد الهدى... الحلقة السابعة .. "لست شامتًا" شادي فريج يعلق على حبس حسن الرياطي ويلمح لانفراجة تفاصيل الاتفاق المرحلي بين طهران وواشنطن .. وعقد قد تعرقله الاحتلال: مقتل جنديين إسرائيليين بانفجار مسيرة للجيش شمالي غزة الأردن يشارك بالمؤتمر الإقليمي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الـ12 فتح باب المناقلات الداخلية والخارجية لطلبة المكرمة الملكية السامية البنك الدولي: صرف 100 مليون دولار لبرنامج إصلاح القطاع الصحي في الأردن بزشكيان يكرر: التقيت خامنئي 7 ساعات ولهذا لم يظهر علنا زيلينسكي: دول بالشرق الأوسط تشارك في محادثات البحر الأسود كوريا الجنوبية تتهم زيلينسكي بخرق اتفاق السرية بشأن أسرى الحرب طائرات مقاتلة سويدية وفنلندية تعترض طائرات عسكرية روسية

الهجرة النبوية وصناعة الحضارة

الهجرة النبوية وصناعة الحضارة
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

لم تكن الهجرة النبوية حدثاً عابراً في التاريخ الإسلامي، ولا مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة، بل كانت نقطة تحول كبرى في مسيرة الإنسانية، نقلت الدعوة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة، ومن دائرة الاضطهاد إلى فضاء التأثير الحضاري الواسع. ولذلك فإن اختزال الهجرة في مفهوم الفرار من الأذى أو البحث عن النجاة لا يعكس حقيقتها الكاملة، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كان مؤيداً بنصر الله، لكنه أراد أن يقدم للبشرية درساً خالداً مفاده أن الرسالات العظيمة والأهداف الكبرى لا تتحقق بالأمنيات، وإنما بالإرادة والتخطيط والصبر والتضحية.

لقد كانت الهجرة إعلاناً عملياً بأن النجاح يتطلب استعداداً لترك منطقة الراحة، والتخلي أحياناً عن كثير مما يألفه الإنسان ويحبّه. فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم موطنه الذي نشأ فيه، وترك الصحابة أموالهم ومصالحهم وأهليهم، وتحملوا الغربة والمشقة في سبيل فكرة آمنوا بها ورسالة أرادوا أن تصل إلى الناس كافة. ومن هنا أصبحت الهجرة مدرسة في الإصرار والعزيمة والثبات على المبادئ مهما بلغت التضحيات.

وعندما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم ينشغل بالحديث عن الماضي أو استعادة مظالمه، بل بدأ فوراً ببناء المستقبل. فأسس المسجد ليكون مركزاً للعلم والإدارة والتوجيه، وآخى بين المهاجرين والأنصار ليؤسس مجتمعاً قائماً على التكافل والتعاون، ووضع وثيقة المدينة لتكون نموذجاً متقدماً في تنظيم العلاقات بين مكونات المجتمع المختلفة. وبذلك تحولت الهجرة من رحلة انتقال إلى مشروع حضاري متكامل أسهم في بناء واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية.

ومن أبرز الدروس التي تقدمها الهجرة للأفراد والمؤسسات والمجتمعات أن التغيير الحقيقي يتطلب شجاعة المراجعة والتجديد. فكثير من المجتمعات تتعثر حين تبقى أسيرة ما ورثته من عادات أو أنماط إدارية أو ممارسات تجاوزها الزمن. وقد تتحول بعض التقاليد الخاطئة أو شبكات المصالح الضيقة أو مظاهر الفساد إلى قيود تمنع الإبداع والمبادرة والابتكار. وعندها تصبح الحاجة ملحة إلى هجرة من نوع آخر؛ هجرة من الجمود إلى التجديد، ومن التبرير إلى الإنجاز، ومن الاتكالية إلى المسؤولية.

إن بناء المؤسسات القوية لا يبدأ من المباني أو الأنظمة فقط، بل يبدأ من القدرة على تغيير الفكر والثقافة. وأحياناً يكون البدء من الصفر أكثر فاعلية من الاستمرار في إصلاح منظومات استنزفتها الأخطاء والتراكمات السلبية. فالهجرة تعلمنا أن الانطلاق نحو المستقبل قد يتطلب مغادرة الأفكار القديمة قبل مغادرة الأماكن القديمة، وأن الانتصار على الذات هو الخطوة الأولى نحو الانتصار على التحديات الخارجية.

كما قدم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم نموذجاً فريداً في القيادة الاستراتيجية؛ فقد جمع بين الإيمان العميق والتخطيط الدقيق، فأخذ بالأسباب كاملة رغم يقينه بنصر الله. وهذا درس خالد لكل قائد وإداري وصاحب مشروع، فالرؤية وحدها لا تكفي، كما أن الحماس وحده لا يصنع النجاح، وإنما يتحقق الإنجاز عندما تتكامل الفكرة مع التخطيط والعمل والمتابعة.

وقد حافظ بنو هاشم عبر التاريخ على كثير من القيم التي أرساها الرسول الكريم، وفي مقدمتها خدمة الناس، وصيانة الكرامة الإنسانية، والدفاع عن الحق، والتمسك بالأخلاق التي جعلت من الرسالة الإسلامية مشروعاً حضارياً عالمياً تجاوز حدود المكان والزمان. فبقيت الهجرة رمزاً للتضحية من أجل المبدأ، والعمل من أجل المستقبل، والإيمان بأن الإنسان قادر على صناعة واقع جديد مهما بلغت التحديات.

وفي كل عام تتجدد ذكرى الهجرة لتذكرنا بأن أعظم التحولات تبدأ بفكرة صادقة وإرادة قوية، وأن الأمم التي تملك الشجاعة لمراجعة أخطائها وتجاوز معوقاتها هي الأمم القادرة على صناعة مستقبلها. فالهجرة لم تكن انتقالاً من مدينة إلى أخرى، بل كانت انتقالاً من الضعف إلى القوة، ومن التفرق إلى الوحدة، ومن محدودية الواقع إلى رحابة الحضارة، ولذلك بقيت واحدة من أعظم الدروس الإنسانية في بناء الإنسان والدولة والمجتمع.