القلعة نيوز- مع الساعات الأولى لصباح يوم عيد الأضحى، توافد عشرات الآلاف من الفلسطينيين في قطاع غزة إلى ساحات مفتوحة وباحات مساجد مدمرة لأداء صلاة العيد، في ظل استمرار الحرب وتراجع مظاهر الاحتفال للعام الثالث على التوالي.
وبين تكبيرات العيد وملامح الحزن التي ارتسمت على وجوه المصلين، غابت الأضاحي والأسواق المزدحمة وأماكن الترفيه التي دُمرت خلال الحرب، فيما اقتصرت مظاهر العيد على أداء الصلاة وتبادل التهاني بشكل محدود داخل مراكز النزوح والأحياء المتضررة.
ورغم ذلك، حرص غالبية السكان، رجالا ونساء وأطفالا، على أداء الصلاة في المساجد المتضررة أو في أماكن مفتوحة، في محاولة للحفاظ على أحد أبرز الطقوس الدينية والاجتماعية المرتبطة بالعيد، كما ظهر عناصر من المقاومة الفلسطينية في أماكن الصلاة.
صلاة فوق الركام
في مُصلى مؤقت أُقيم بحي الرمال غربي مدينة غزة، احتشد مئات الفلسطينيين منذ ساعات الصباح الأولى لأداء صلاة عيد الأضحى، مفترشين الأرض على وقع تكبيرات العيد، بين أبنية مدمرة وشوارع بدت أقل ازدحاما مقارنة بالأعوام التي سبقت الحرب.
وبدا الحضور حريصا على المشاركة في الصلاة رغم الظروف الإنسانية والمعيشية الصعبة، إذ وصل كثيرون سيرا على الأقدام من مناطق مختلفة، بينما اصطحبت عائلات أطفالها للمحافظة على أحد أبرز الطقوس الدينية المرتبطة بالعيد، في ظل غياب معظم مظاهر الاحتفال الأخرى.
وخلال خطبة العيد، تحدث الإمام عن الأوضاع التي يعيشها سكان قطاع غزة واستمرار العدوان الإسرائيلي، مشيرا إلى استهداف بناية سكنية ليلة العيد غربي مدينة غزة، وما أسفر عنه من شهداء وجرحى، الأمر الذي ألقى بظلاله على أجواء المناسبة.
وربط الخطيب بين معاني العيد الدينية والواقع الذي يعيشه السكان، داعيا إلى التمسك بالعلاقات الاجتماعية والتخفيف عن العائلات المتضررة.
كما دعا المصلين إلى المحافظة على شعائر العيد قدر الإمكان، لا سيما صلة الأرحام وزيارة أهالي الشهداء والوقوف إلى جانبهم، معتبرا أن مظاهر التضامن الاجتماعي تكتسب أهمية أكبر في ظل الظروف الحالية.
أطفال بلا فرحة
وبعد انتهاء صلاة العيد، وقف أبو العبد اليعقوبي بين المصلين يتبادل التهاني، قبل أن يتحدث عن التغير الكبير الذي طرأ على أجواء العيد في قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة.
وقال اليعقوبي – للجزيرة نت – إن السكان كانوا قبل الحرب يستقبلون عيد الأضحى بطقوس اجتماعية ودينية اعتادوا عليها، من شراء الأضاحي وملابس الأطفال وزيارات الأقارب، إلا أن تلك المظاهر تراجعت بشكل كبير في ظل الحرب المستمرة والأوضاع الإنسانية الصعبة.
وأضاف أن العائلات كانت تحرص في الأعياد السابقة على إدخال الفرحة إلى الأطفال، سواء من خلال شراء الملابس الجديدة أو زيارة الأقارب والتجمعات العائلية، "لكن اليوم تغير كل شيء"، على حد وصفه، مشيرا إلى أن كثيرا من السكان باتوا منشغلين بتأمين احتياجاتهم الأساسية وسط استمرار القصف ونقص الغذاء وارتفاع الأسعار.
أضاحٍ رمزية
وفي واحدة من أكثر مظاهر العيد غيابا هذا العام، اختفت الأضاحي بشكل كامل تقريبا من قطاع غزة، بعد استمرار منع إدخال المواشي الحية منذ سنوات، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار المتبقي منها إلى مستويات غير مسبوقة.
وبحسب تجار مواشٍ وسكان، فإن أسعار الخراف المتوسطة تجاوزت 5 آلاف دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم العائلات التي تعيش أصلا ظروفا اقتصادية وإنسانية صعبة.
وأثار وجود عدد من المواشي المخصصة للأضاحي داخل أحد المطاعم بمدينة غزة استغراب سكان المنطقة. ولاحقا تبين أن هذه الأضاحي مقدمة ضمن مبادرة ممولة من جمعية خيرية خارج فلسطين.
وعلى الفور تجمع عدد من السكان في محيط المكان، بينهم رجال ونساء وأطفال، في مشهد لفت الأنظار لندرة ظهور المواشي داخل قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة، وراحوا يراقبون حركتها أو يحاولون لمسها.
4 تيوس فقط
يقول جمال النادي، مالك المطعم وأحد تجار المواشي، إن ما سيجري ذبحه خلال العيد لا يتجاوز 4 جديان (تيوس) فقط، موضحا أن جميعها مقدمة من مؤسسة خيرية خارج فلسطين بهدف توزيع لحومها على العائلات الفقيرة.
وأضاف أن ارتفاع الأسعار بشكل كبير حال دون قدرة السكان على شراء الأضاحي، مشيرا إلى أن الخروف متوسط الحجم قد يصل سعره إلى 5 آلاف دولار، في ظل قلة المعروض وغياب عمليات الاستيراد منذ سنوات.
وأوضح النادي أن بعض المؤسسات الخيرية خارج فلسطين، تحرص رغم ذلك على تنفيذ شعيرة الأضحية داخل غزة، ولو بشكل محدود، بهدف المساهمة في إحياء طقوس عيد الأضحى وتقديم كميات من اللحوم للأسر المحتاجة.
وبيّن أن هذه المبادرات تبقى محدودة جدا مقارنة بحجم الاحتياج داخل القطاع، خاصة مع اتساع رقعة الفقر وتراجع القدرة الشرائية للسكان.
مشاعر مؤقتة
بالقرب من المكان الذي جرى فيه ذبح الأضاحي، وقف ممدوح العشي برفقة ابنته أبرار يتابعان المشهد وسط خليط من المشاعر التي جمعت بين الحزن والحنين ومحاولة التمسك بما تبقى من أجواء العيد.
يقول العشي إنه حرص على اصطحاب ابنته، إلى المكان لمحاولة إدخال بعض الفرح إلى نفسها، ولو لساعات محدودة، لأن مشاهدة الأضحية باتت بحد ذاتها حدثا استثنائيا بالنسبة للأطفال في غزة.
ويضيف أن العائلات كانت في السابق تستقبل عيد الأضحى بطقوس يعرفها الجميع، من شراء الأضحية وذبحها وتوزيع اللحوم على الأقارب والفقراء، معتبرا أن غياب هذه الطقوس ترك أثرا نفسيا واضحا لدى السكان.
وأشار إلى أنه شخصيا لم يتمكن من تقديم أضحية منذ ثلاثة أعوام، رغم أنه كان يحرص على ذلك كل عام قبل الحرب، مضيفا أن الحرمان من هذه الشعيرة "صعب جدا" ويشعر به كثير من السكان، ليس فقط باعتبارها عادة اجتماعية، وإنما لارتباطها بالعيد وطقوسه الدينية والعائلية.
الحرب غيرت شكل العيد
أما ابنته أبرار، فكانت تراقب الأغنام والأطفال المتجمعين حولها، بينما تستعيد ذكريات الأعياد التي سبقت الحرب.
وتقول أبرار التي فقدت زوجها خلال الحرب، في غارة شنها الاحتلال، إنها جاءت إلى المكان بحثا عن جزء من أجواء العيد التي اعتادت عائلتها على عيشها كل عام، موضحة أن الأضحية كانت تشكل مناسبة ينتظرها الأطفال داخل البيوت والأحياء، بما تحمله من تجمعات عائلية وأجواء احتفالية.
وأضافت أن الحرب غيرت شكل الأعياد بالكامل، وأن كثيرا من العائلات باتت تكتفي اليوم بمشاهدة الأضاحي من بعيد إن وُجدت، بدلا من المشاركة فيها كما كان يحدث سابقا.
وتحدثت أبرار عن الفارق الكبير بين أعياد ما قبل الحرب والواقع الحالي، مشيرة إلى أن العيد كان يرتبط لديها بوجود العائلة والأقارب والأضحية وزيارات المعايدة، بينما تبدو الأجواء اليوم مختلفة تماما في ظل الدمار والنزوح واستمرار الحرب.
زيارة القبور
في مشهد آخر من أجواء عيد الأضحى في قطاع غزة، اتجهت أعداد من الأهالي مباشرة بعد انتهاء صلاة العيد إلى المقابر، لزيارة أحبائهم الراقدين تحت الثرى.
فبينما يفترض أن يكون عيد الأضحى مناسبة للزيارة العائلية والفرح، تحولت المقابر في غزة إلى إحدى محطات العيد الأساسية لدى العديد من الأسر، كما في مقبرة الشيخ رضوان، شمال مدينة غزة، حيث يُقدّر أن عشرات الآلاف من الشهداء دُفنوا خلال الحرب؛ إذ توافد رجال ونساء وأطفال لزيارة قبور ذويهم.
وتبدو المقبرة، في حالة ازدحام شديد، إذ لم تعد هناك مساحات واضحة أو ممرات منتظمة بين القبور، بعد أن جرى دفن أعداد كبيرة من الضحايا في مساحات متقاربة أو بين القبور القائمة، نتيجة محدودية الأماكن المتاحة للدفن خلال الحرب.
قرآن ودعاء
وفي أكثر من موضع داخل المقبرة، جلس زوار على أطراف القبور أو فوق التراب المحيط بها، يقرؤون القرآن أو يدعون لأحبابهم، بينما اختار آخرون الحديث بصوت منخفض مع القبور.
ومن بين المشاهد اللافتة، قامت سيدة بنثر زهور برية جمعتها من داخل المقبرة على قبر شقيقها الشهيد، بينما وقف آخرون في صمت طويل أمام القبور، يكتفون بالنظر أو الدعاء.
وبالقرب من قبر ابنها الشهيد "أحمد"، جلست إيمان أبو سلطان، في مشهد يعكس جانبا من أجواء العيد التي اختلطت فيها مظاهر العيد بذاكرة الفقد.
أحمد، كما تقول والدته، هو الابن البكر الذي جاء بعد 4 بنات، وكان يمثل بالنسبة لها "أول فرحة في البيت"، قبل أن يُستشهد خلال الحرب في أغسطس/آب 2025.
فقدان غيّر معنى العيد
وتضيف إيمان في حديثها – للجزيرة نت – أن تفاصيل حياتها اليومية لم تعد تخلو من ذكرى أحمد، سواء في الطعام أو الحديث أو حتى في لحظات الأعياد والمناسبات.
وتقول إن فقدان ابنها غيّر معنى العيد لديها بالكامل، مشيرة إلى أن حضورها إلى المقبرة بات جزءا ثابتا من طقوسها في كل مناسبة "هذا هو العيد بالنسبة لي كما ترون".
وتؤكد أنها لا تزال تستحضر أحمد في كل لحظة، وأن غيابه ترك أثرا لا يهدأ "فقدان ابني شكّل كسرة قلب لا تُنسى، الألم لا يتوقف مع مرور الوقت، بل يتجدد مع كل عيد".
ورغم ذلك، تقول إنها تحاول التمسك بالصبر والدعاء، مرددة: "الحمد لله على كل حال".
وبينما يغادر بعض الزوار المقبرة بعد زيارتهم، بقيت إيمان جالسة قرب قبر ابنها، في مشهد يعكس كيف تحوّل العيد لدى كثير من العائلات في غزة إلى مناسبة لاستعادة الغياب أكثر من استحضار الفرح.
الجزيرة نت - ياسر البنا
وبين تكبيرات العيد وملامح الحزن التي ارتسمت على وجوه المصلين، غابت الأضاحي والأسواق المزدحمة وأماكن الترفيه التي دُمرت خلال الحرب، فيما اقتصرت مظاهر العيد على أداء الصلاة وتبادل التهاني بشكل محدود داخل مراكز النزوح والأحياء المتضررة.
ورغم ذلك، حرص غالبية السكان، رجالا ونساء وأطفالا، على أداء الصلاة في المساجد المتضررة أو في أماكن مفتوحة، في محاولة للحفاظ على أحد أبرز الطقوس الدينية والاجتماعية المرتبطة بالعيد، كما ظهر عناصر من المقاومة الفلسطينية في أماكن الصلاة.
صلاة فوق الركام
في مُصلى مؤقت أُقيم بحي الرمال غربي مدينة غزة، احتشد مئات الفلسطينيين منذ ساعات الصباح الأولى لأداء صلاة عيد الأضحى، مفترشين الأرض على وقع تكبيرات العيد، بين أبنية مدمرة وشوارع بدت أقل ازدحاما مقارنة بالأعوام التي سبقت الحرب.
وبدا الحضور حريصا على المشاركة في الصلاة رغم الظروف الإنسانية والمعيشية الصعبة، إذ وصل كثيرون سيرا على الأقدام من مناطق مختلفة، بينما اصطحبت عائلات أطفالها للمحافظة على أحد أبرز الطقوس الدينية المرتبطة بالعيد، في ظل غياب معظم مظاهر الاحتفال الأخرى.
وخلال خطبة العيد، تحدث الإمام عن الأوضاع التي يعيشها سكان قطاع غزة واستمرار العدوان الإسرائيلي، مشيرا إلى استهداف بناية سكنية ليلة العيد غربي مدينة غزة، وما أسفر عنه من شهداء وجرحى، الأمر الذي ألقى بظلاله على أجواء المناسبة.
وربط الخطيب بين معاني العيد الدينية والواقع الذي يعيشه السكان، داعيا إلى التمسك بالعلاقات الاجتماعية والتخفيف عن العائلات المتضررة.
كما دعا المصلين إلى المحافظة على شعائر العيد قدر الإمكان، لا سيما صلة الأرحام وزيارة أهالي الشهداء والوقوف إلى جانبهم، معتبرا أن مظاهر التضامن الاجتماعي تكتسب أهمية أكبر في ظل الظروف الحالية.
أطفال بلا فرحة
وبعد انتهاء صلاة العيد، وقف أبو العبد اليعقوبي بين المصلين يتبادل التهاني، قبل أن يتحدث عن التغير الكبير الذي طرأ على أجواء العيد في قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة.
وقال اليعقوبي – للجزيرة نت – إن السكان كانوا قبل الحرب يستقبلون عيد الأضحى بطقوس اجتماعية ودينية اعتادوا عليها، من شراء الأضاحي وملابس الأطفال وزيارات الأقارب، إلا أن تلك المظاهر تراجعت بشكل كبير في ظل الحرب المستمرة والأوضاع الإنسانية الصعبة.
وأضاف أن العائلات كانت تحرص في الأعياد السابقة على إدخال الفرحة إلى الأطفال، سواء من خلال شراء الملابس الجديدة أو زيارة الأقارب والتجمعات العائلية، "لكن اليوم تغير كل شيء"، على حد وصفه، مشيرا إلى أن كثيرا من السكان باتوا منشغلين بتأمين احتياجاتهم الأساسية وسط استمرار القصف ونقص الغذاء وارتفاع الأسعار.
أضاحٍ رمزية
وفي واحدة من أكثر مظاهر العيد غيابا هذا العام، اختفت الأضاحي بشكل كامل تقريبا من قطاع غزة، بعد استمرار منع إدخال المواشي الحية منذ سنوات، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار المتبقي منها إلى مستويات غير مسبوقة.
وبحسب تجار مواشٍ وسكان، فإن أسعار الخراف المتوسطة تجاوزت 5 آلاف دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم العائلات التي تعيش أصلا ظروفا اقتصادية وإنسانية صعبة.
وأثار وجود عدد من المواشي المخصصة للأضاحي داخل أحد المطاعم بمدينة غزة استغراب سكان المنطقة. ولاحقا تبين أن هذه الأضاحي مقدمة ضمن مبادرة ممولة من جمعية خيرية خارج فلسطين.
وعلى الفور تجمع عدد من السكان في محيط المكان، بينهم رجال ونساء وأطفال، في مشهد لفت الأنظار لندرة ظهور المواشي داخل قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة، وراحوا يراقبون حركتها أو يحاولون لمسها.
4 تيوس فقط
يقول جمال النادي، مالك المطعم وأحد تجار المواشي، إن ما سيجري ذبحه خلال العيد لا يتجاوز 4 جديان (تيوس) فقط، موضحا أن جميعها مقدمة من مؤسسة خيرية خارج فلسطين بهدف توزيع لحومها على العائلات الفقيرة.
وأضاف أن ارتفاع الأسعار بشكل كبير حال دون قدرة السكان على شراء الأضاحي، مشيرا إلى أن الخروف متوسط الحجم قد يصل سعره إلى 5 آلاف دولار، في ظل قلة المعروض وغياب عمليات الاستيراد منذ سنوات.
وأوضح النادي أن بعض المؤسسات الخيرية خارج فلسطين، تحرص رغم ذلك على تنفيذ شعيرة الأضحية داخل غزة، ولو بشكل محدود، بهدف المساهمة في إحياء طقوس عيد الأضحى وتقديم كميات من اللحوم للأسر المحتاجة.
وبيّن أن هذه المبادرات تبقى محدودة جدا مقارنة بحجم الاحتياج داخل القطاع، خاصة مع اتساع رقعة الفقر وتراجع القدرة الشرائية للسكان.
مشاعر مؤقتة
بالقرب من المكان الذي جرى فيه ذبح الأضاحي، وقف ممدوح العشي برفقة ابنته أبرار يتابعان المشهد وسط خليط من المشاعر التي جمعت بين الحزن والحنين ومحاولة التمسك بما تبقى من أجواء العيد.
يقول العشي إنه حرص على اصطحاب ابنته، إلى المكان لمحاولة إدخال بعض الفرح إلى نفسها، ولو لساعات محدودة، لأن مشاهدة الأضحية باتت بحد ذاتها حدثا استثنائيا بالنسبة للأطفال في غزة.
ويضيف أن العائلات كانت في السابق تستقبل عيد الأضحى بطقوس يعرفها الجميع، من شراء الأضحية وذبحها وتوزيع اللحوم على الأقارب والفقراء، معتبرا أن غياب هذه الطقوس ترك أثرا نفسيا واضحا لدى السكان.
وأشار إلى أنه شخصيا لم يتمكن من تقديم أضحية منذ ثلاثة أعوام، رغم أنه كان يحرص على ذلك كل عام قبل الحرب، مضيفا أن الحرمان من هذه الشعيرة "صعب جدا" ويشعر به كثير من السكان، ليس فقط باعتبارها عادة اجتماعية، وإنما لارتباطها بالعيد وطقوسه الدينية والعائلية.
الحرب غيرت شكل العيد
أما ابنته أبرار، فكانت تراقب الأغنام والأطفال المتجمعين حولها، بينما تستعيد ذكريات الأعياد التي سبقت الحرب.
وتقول أبرار التي فقدت زوجها خلال الحرب، في غارة شنها الاحتلال، إنها جاءت إلى المكان بحثا عن جزء من أجواء العيد التي اعتادت عائلتها على عيشها كل عام، موضحة أن الأضحية كانت تشكل مناسبة ينتظرها الأطفال داخل البيوت والأحياء، بما تحمله من تجمعات عائلية وأجواء احتفالية.
وأضافت أن الحرب غيرت شكل الأعياد بالكامل، وأن كثيرا من العائلات باتت تكتفي اليوم بمشاهدة الأضاحي من بعيد إن وُجدت، بدلا من المشاركة فيها كما كان يحدث سابقا.
وتحدثت أبرار عن الفارق الكبير بين أعياد ما قبل الحرب والواقع الحالي، مشيرة إلى أن العيد كان يرتبط لديها بوجود العائلة والأقارب والأضحية وزيارات المعايدة، بينما تبدو الأجواء اليوم مختلفة تماما في ظل الدمار والنزوح واستمرار الحرب.
زيارة القبور
في مشهد آخر من أجواء عيد الأضحى في قطاع غزة، اتجهت أعداد من الأهالي مباشرة بعد انتهاء صلاة العيد إلى المقابر، لزيارة أحبائهم الراقدين تحت الثرى.
فبينما يفترض أن يكون عيد الأضحى مناسبة للزيارة العائلية والفرح، تحولت المقابر في غزة إلى إحدى محطات العيد الأساسية لدى العديد من الأسر، كما في مقبرة الشيخ رضوان، شمال مدينة غزة، حيث يُقدّر أن عشرات الآلاف من الشهداء دُفنوا خلال الحرب؛ إذ توافد رجال ونساء وأطفال لزيارة قبور ذويهم.
وتبدو المقبرة، في حالة ازدحام شديد، إذ لم تعد هناك مساحات واضحة أو ممرات منتظمة بين القبور، بعد أن جرى دفن أعداد كبيرة من الضحايا في مساحات متقاربة أو بين القبور القائمة، نتيجة محدودية الأماكن المتاحة للدفن خلال الحرب.
قرآن ودعاء
وفي أكثر من موضع داخل المقبرة، جلس زوار على أطراف القبور أو فوق التراب المحيط بها، يقرؤون القرآن أو يدعون لأحبابهم، بينما اختار آخرون الحديث بصوت منخفض مع القبور.
ومن بين المشاهد اللافتة، قامت سيدة بنثر زهور برية جمعتها من داخل المقبرة على قبر شقيقها الشهيد، بينما وقف آخرون في صمت طويل أمام القبور، يكتفون بالنظر أو الدعاء.
وبالقرب من قبر ابنها الشهيد "أحمد"، جلست إيمان أبو سلطان، في مشهد يعكس جانبا من أجواء العيد التي اختلطت فيها مظاهر العيد بذاكرة الفقد.
أحمد، كما تقول والدته، هو الابن البكر الذي جاء بعد 4 بنات، وكان يمثل بالنسبة لها "أول فرحة في البيت"، قبل أن يُستشهد خلال الحرب في أغسطس/آب 2025.
فقدان غيّر معنى العيد
وتضيف إيمان في حديثها – للجزيرة نت – أن تفاصيل حياتها اليومية لم تعد تخلو من ذكرى أحمد، سواء في الطعام أو الحديث أو حتى في لحظات الأعياد والمناسبات.
وتقول إن فقدان ابنها غيّر معنى العيد لديها بالكامل، مشيرة إلى أن حضورها إلى المقبرة بات جزءا ثابتا من طقوسها في كل مناسبة "هذا هو العيد بالنسبة لي كما ترون".
وتؤكد أنها لا تزال تستحضر أحمد في كل لحظة، وأن غيابه ترك أثرا لا يهدأ "فقدان ابني شكّل كسرة قلب لا تُنسى، الألم لا يتوقف مع مرور الوقت، بل يتجدد مع كل عيد".
ورغم ذلك، تقول إنها تحاول التمسك بالصبر والدعاء، مرددة: "الحمد لله على كل حال".
وبينما يغادر بعض الزوار المقبرة بعد زيارتهم، بقيت إيمان جالسة قرب قبر ابنها، في مشهد يعكس كيف تحوّل العيد لدى كثير من العائلات في غزة إلى مناسبة لاستعادة الغياب أكثر من استحضار الفرح.
الجزيرة نت - ياسر البنا




