بعد المونديال... النشامى أمام مرحلة المنافسة لا الاكتفاء بالمشاركة في البطولات
القلعة نيوز - كتب محمد المصري
أسدل الستار اليوم على المشاركة التاريخية الأولى لمنتخبنا الوطني الأردني في نهائيات كأس العالم 2026، بعد أن ودّع منافسات دور المجموعات بثلاث خسائر متتالية، ورغم نجاح النشامى في هز شباك منافسيهم في جميع المباريات، فإن تلك الأهداف لم تكن كافية لحصد نقطة واحدة أو تجنب الخسارة، لتنتهي الرحلة المونديالية بمزيج من الفخر بإنجاز التأهل، والحسرة على نتائج كانت أقرب مما عكسته الأرقام.
لا شك أن مجرد بلوغ كأس العالم سيبقى محطة مفصلية في تاريخ الكرة الأردنية، وإنجازًا صنعه اللاعبون والجهاز الفني والإدارة، بدعم القيادة الهاشمية والجماهير الوفية التي آزرت المنتخب في جميع مبارياته رغم إقامتها في ساعات الصباح الباكر.
إلا أن هذا الإنجاز يفرض علينا، في الوقت ذاته، قراءة التجربة بموضوعية، لأن المنتخبات الكبيرة لا تكتفي بالوصول إلى المونديال، بل تبني على مشاركاتها لتحقيق الإنجازات.
ومن أبرز الملاحظات التي رافقت مباريات المنتخب، أن الحارس يزيد أبو ليلى لم يكن في أفضل حالاته خلال البطولة، وهو ما انعكس على بعض اللحظات الحاسمة، وفي كرة القدم، لطالما قيل إن حارس المرمى يمثل نصف الفريق، وأي تراجع في التركيز قد يغيّر مجرى المباراة بالكامل، مع التأكيد أن المسؤولية تبقى جماعية، وأن المنظومة بأكملها تتحمل نتائجها، انتصارًا كانت أم خسارة.
كما أن الجهاز الفني بقيادة المغربي جمال السلامي لم ينجح في قراءة مجريات بعض المباريات بالسرعة المطلوبة، أو إيجاد الحلول المناسبة لمعالجة الأخطاء التي تكررت من مباراة إلى أخرى، فقد عانى المنتخب من ضعف واضح في التعامل مع الكرات الثابتة كلفتنا استقبال سبعة أهداف في ثلاث مباريات، وتراجع التركيز في اللحظات الحاسمة، والمبالغة في التراجع الدفاعي، إضافة إلى تشتت خط الوسط، والتأخر في إجراء التبديلات، رغم وجود لاعبين يمتلكون المهارة والخبرة القادرتين على صناعة الفارق، وفي كرة القدم، كثيرًا ما تصنع التفاصيل الصغيرة الفارق بين الخروج بخسارة وتحقيق نتيجة تاريخية.
لقد علمتنا كرة القدم أن الالتزام بالأدوار، والانضباط التكتيكي، واللعب بروح الفريق، قادر على صناعة أعظم الإنجازات مهما كان اسم المنافس أو تاريخه، ونحن ندرك تمامًا حجم الخبرة التي تمتلكها منتخبات مجموعتنا؛ فالأرجنتين، راقصو التانغو وحاملوا لقب النسخة الماضية، دخلوا البطولة للدفاع عن لقبهم، والجزائر ذلك المنتخب العنيد وصاحب الشخصية القوية، فيما حضرت النمسا بطموح إثبات الذات على الساحة العالمية، ومع ذلك، كان المنتخب الأردني قريبًا من تحقيق نتائج إيجابية في مباراتين على الأقل، لكنه لم يتمكن من إسعاد جماهيره أو منحها الأمل بخطف بطاقة التأهل إلى الدور الثاني.
وفي المقابل، لا يمكن الحديث عن هذه المشاركة دون الإشادة بالدعم الوطني الكبير الذي حظي به المنتخب، بدءًا من الرعاية الملكية السامية من جلالة الملك عبدالله الثاني، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، وصولًا إلى الجهود المتواصلة التي بذلها رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم، سمو الأمير علي بن الحسين، الذي آمن بقدرة الكرة الأردنية على الوصول إلى العالمية، وعمل لسنوات طويلة حتى أصبح هذا الحلم حقيقة.
كما يستحق الجمهور الأردني وقفة تقدير خاصة، بعدما رسم أروع صور الانتماء والوفاء في المدرجات، وقدم نموذجًا حضاريًا مشرّفًا عكس أخلاق الأردنيين أمام مختلف الجماهير والجنسيات التي التقاها خلال البطولة، ليؤكد أن النشمي لا يمثل منتخبًا فقط، بل يمثل وطنًا بأكمله.
ورغم مرارة النتائج، فإن هذا المنتخب أثبت خلال السنوات الأخيرة أنه يملك شخصية البطل؛ فهو منتخب قاتل حتى بلغ نهائي كأس آسيا ونال الوصافة، ونافس بقوة في كأس العرب وحل وصيفًا أيضًا، ثم حقق الحلم الأكبر بالتأهل إلى كأس العالم، وهذا يؤكد أن هذه المجموعة تمتلك القدرة على المنافسة، لا مجرد الظهور المشرف.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة يجب أن يكون عنوانها المنافسة على الألقاب، لا الاكتفاء بالمشاركة فقط، فهذه المجموعة من اللاعبين تستحق أن تعتلي منصات التتويج، ويجب استثمار الخبرة المونديالية بصورة صحيحة من أجل دخول كأس آسيا 2027 في السعودية بهدف واضح، وهو إحراز اللقب.
إن المشاركة في كأس العالم ليست خط النهاية، بل بداية مرحلة جديدة للكرة الأردنية، فالخبرة التي اكتسبها اللاعبون والجهاز الفني والإدارة يجب أن تتحول إلى مشروع عمل طويل الأمد، يعالج مواطن الخلل، ويحافظ على عناصر القوة، حتى يصبح حضور الأردن في البطولات الكبرى عادة لا استثناء، وتتحول المنافسة على الألقاب إلى ثقافة راسخة داخل المنتخب الوطني.
ولا يمكن إغفال تأثير الغيابات المؤثرة عن صفوف المنتخب، وفي مقدمتها يزن النعيمات، وإبراهيم صبرة، وأدهم القرشي، إذ شكّل غيابهم علامة فارقة، وكان حضورهم سيمنح المنتخب خيارات فنية أكبر في بطولة بحجم كأس العالم، نسأل الله لهم الشفاء العاجل والعودة سريعًا إلى الملاعب.
اليوم نقول للنشامى: يعطيكم العافية، وستبقى أهداف علي علوان ونزار الرشدان وموسى التعمري حاضرة في الوجدان وستدونها صفحات التاريخ وستتحدث عنها الأجيال، قد لا تكون النتائج بحجم الطموح، لكنها محطة في طريق منتخب أثبت أنه قادر على الوصول إلى العالمية، ثقتنا بكم لم تهتز، وأملنا بكم لا يزال كبيرًا، فهذه هي كرة القدم؛ يوم تربح ويوم تخسر، لكن الأهم أن تتعلم، وتتطور، وتعود أقوى.
ويبقى الحلم الأردني مستمرًا، والقادم بإذن الله أجمل، مع خالص الأمنيات بالتوفيق للأشقاء العرب في مواصلة مشوارهم في نهائيات كأس العالم.




