شريط الأخبار
عمان الأهلية الأولى أردنياً في الذكاء الاصطناعي والهندسة الكهربائية والإلكترونية بتصنيف شنغهاي للمواضيع الأكاديمية 2026 برعاية الرواشدة : مهرجان الأردن الدولي للأفلام يفتتح دورته الحادية عشرة في عمّان "القلعة نيوز" تحاور رئيس لجنة بلدية السلط الكبرى علي البطاينة وزارة الاستثمار تطلق تقرير أدائها للنصف الأول من عام 2026 الأردن يؤكد وقوفه مع السعودية في حماية أمنها واستقرارها الصبيحي: استراتيجيات الاتصال تتهاوى أمام مواطن لا يجد من يسمعه مكافحة الفساد: توقيف موظف سابق بأمانة عمان اختلس 149 ألف دينار الفراية يجري تنقلات وتعيينات جديدة في وزارة الداخلية.. أسماء .. والايام القادمة إحالة محافظين على التقاعد وتعيين محافظين إلى الزرقاء وجرش والمفرق الصحة: تكثيف الرقابة على المقاصف المدرسية للحد من الأغذية غير الصحية القوات المسلحة تُجلي 8 أطفال من غزة إلى الأردن لتلقي العلاج صدام حول تمويل الجيش .. لابيد يشترط قطع أموال "الحريديم" لدعم نتنياهو الأردن يعزي الإمارات بوفاة اثنين من منتسبي وزارة الدفاع بمهمة تدريبية الرواشدة يلتقي وفدًا من حزب التغيير الرواشدة: الدورة الـ25 من معرض عمان الدولي للكتاب تمثل تظاهرة ثقافية عربية بارزة ( صور ) المراعية يُعلن إقامة بيت عزاء للمتوفين من المكلفين بخدمة العلم في ديوان هلسة بعمّان إرادة ملكية بقبول استقالة العسعس من عضوية مجلس الأعيان القطامين يؤكد أهمية تعزيز العمل العربي المشترك الفراية والبلبيسي يتابعان تقييم الثقافة المؤسسية في وزارة الداخلية العودات: المجتمع المدني شريك أساسي في مسيرة التحديث برعاية الرواشدة ... انطلاق الدورة الحادية عشرة من مهرجان الأردن الدولي للأفلام الأسبوع المقبل

بني عطية يكتب: العرف العشائري

بني عطية  يكتب: العرف العشائري
بقلم د. عوده حامد الاصفر بني عطية
من وحي ما تشرفت به من مجالس والدي -رحمه الله-، ومن مجالس الغانمين شرواكم، وما سمعته من أهل الإصلاح وأصحاب الخبرة، أكتب هذه الكلمات، لا ادعاءً للإحاطة، وإنما نقلًا لما تعلمته واستفدته، فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي، والله من وراء القصد.

قبل أن يُبادر أحد إلى نقد الأعراف العشائرية أو إصدار الأحكام عليها، لا بد أولًا من فهم نشأتها، والظروف التي أوجدتها، والمقاصد التي قامت عليها. فليس من الإنصاف أن تُختزل منظومة اجتماعية امتدت لعقود طويلة، وربما لقرون، في انطباعات عابرة أو أحكام سطحية لا تستند إلى معرفة حقيقية بتاريخها ووظيفتها.

لقد جاءت الأعراف العشائرية استجابةً لحاجة المجتمعات إلى الأمن والاستقرار، وحفظ الدماء والحقوق، وإخماد نار الفتن والثأر، وإعادة الوئام بين الناس. وفي مراحل تاريخية سابقة، حين لم تكن مؤسسات الدولة قد بلغت اتساعها الحالي أو كانت إمكانات الوصول إلى خدماتها محدودة في بعض المناطق، كانت هذه الأعراف تؤدي دورًا مهمًا في احتواء الأزمات، ومنع اتساع دائرة النزاعات، والمحافظة على تماسك المجتمع، حتى أصبحت جزءًا من الثقافة الاجتماعية في كثير من البلدان العربية.

ولم تكن الأعراف العشائرية في يوم من الأيام بديلًا عن الشريعة الإسلامية، بل إن الأصل فيها أن تكون منسجمة مع مقاصدها في تحقيق العدل، ورفع الظلم، وإصلاح ذات البين، ولذلك قرر العلماء قاعدة عظيمة مفادها أن «العادة محكمة»، أي أن العرف يُعتد به ما دام لا يصادم نصًا شرعيًا ولا يهدر حقًا ثابتًا. أما إذا خالف الشريعة أو ترتب عليه ظلم أو اعتداء، فلا كرامة لعرف يخالف شرع الله أو يضر بالناس.

والذين يظنون أن الصلح العشائري يتم في ساعة أو بكلمة عابرة، لا يعرفون شيئًا عن حجم الجهود التي تُبذل خلف الكواليس. فالصلح يسبقه تعبٌ ومشقة، وساعات طويلة من الحوار، وتقريب وجهات النظر، واحتواء الغضب، وإقناع النفوس، حتى تُغلق أبواب الفتنة، ويأمن الناس، ويأخذ كل ذي حق حقه. فإذا اختار صاحب الحق بعد ذلك العفو والصفح، فإنما يفعل ذلك مروءةً واحتسابًا للأجر، لا ضعفًا ولا إكراهًا.

ومن الإنصاف أيضًا أن نقرر أن الأعراف ليست نصوصًا مقدسة، بل هي اجتهادات بشرية، تقبل التطوير والمراجعة والتقويم كلما اقتضت المصلحة ذلك. وقد شهدنا في الأردن خلال السنوات الأخيرة توافقًا وطنيًا وعشائريًا على تعديل بعض الأعراف، ومن أبرزها تضييق نطاق الجلوة العشائرية، وهو دليل واضح على أن العرف ليس جامدًا، وإنما يتطور بما يحقق العدالة ويخفف الضرر ويحفظ السلم المجتمعي.

كما أن وجود دولة قوية، وقضاء عادل، وأجهزة أمنية محترفة، لا يتعارض مع الدور الإصلاحي الذي يقوم به الوجهاء وأهل الصلح، بل إن التكامل بين سيادة القانون والإصلاح الاجتماعي هو الضمان الحقيقي لاستقرار المجتمع، فلا يطغى أحدهما على الآخر، بل يتعاونان لتحقيق الأمن وصيانة الحقوق.

والمؤسف أن بعض الأصوات التي تهاجم الأعراف العشائرية لم تحضر مجلس صلح واحد، ولم تقرأ في هذا الباب، ولم تسمع من أهله، ثم تتحدث بثقة وكأنها المرجع فيه. وهذه هي المشكلة الحقيقية؛ أن يتصدر المشهد من لا علم له، وأن يصبح الجهل منبرًا تُبنى عليه الأحكام، فيُضلَّل الناس، ويُشوَّه ما لا يعرفونه.

كما أن الخطأ الذي يقع فيه البعض هو تعميم الحكم؛ فإذا وجد عرفًا خاطئًا أو ممارسةً مرفوضة، حكم على جميع الأعراف بالبطلان. وهذا ليس من الإنصاف، لأن العاقل يفرق بين الأصل والتطبيق، وبين العرف الصحيح الذي يحقق المصلحة، والممارسة الخاطئة التي يجب تصحيحها أو إلغاؤها.

إن الأعراف العشائرية ليست قضية تُفهم من تعليق في وسائل التواصل، ولا من مقطع لا يتجاوز دقيقة، وإنما هي علم وتجربة وتاريخ، شارك في بنائها رجال إصلاح وقضاة عشائريون ووجهاء أفنوا أعمارهم في حقن الدماء، وإطفاء الفتن، وجمع الكلمة، وتقريب النفوس، حتى عاش الناس في كثير من المراحل حالةً من الأمن الاجتماعي بفضل الله ثم بفضل جهودهم.

ومن أراد أن يتحدث في هذا الباب، فليتسلح أولًا بالعلم، وليقرأ قبل أن يحكم، وليستمع إلى أهل الخبرة قبل أن يهاجم، فإن الكلام بغير علم لا يبني رأيًا، ولا يصنع إصلاحًا، وإنما يوقع الناس في اللبس، ويزيد الفرقة، ويجعل صاحبه داخلًا في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.

فالنقد البنّاء حق، بل هو ضرورة، والإصلاح مطلب، لكن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بهدم كل ما ورثناه، ولا بتقديس كل ما ورثناه، وإنما يبدأ بالعدل والإنصاف؛ فنُبقي على ما حقق المصلحة وحفظ المجتمع، ونُصلح ما اعوج، ونُلغي ما ثبت ضرره ومخالفته للشريعة والقانون. وبهذا وحده تُصان المجتمعات، وتستقيم الأحكام، ويعلو صوت الحكمة على ضجيج الشعارات.