الدكتور نسيم أبو خضير
المساجد بيوت الله في الأرض ، ومكانتها في نفوس المسلمين لا تحتاج إلى دليل أو برهان ، فهي مواضع العبادة والسكينة والطمأنينة ، ومصدر نورٍ وإيمانٍ وتواصلٍ إجتماعي ، ولذلك فإن العناية بها والمحافظة عليها واجبٌ ديني وأخلاقي وإداري في آنٍ واحد .
لكن إحترام المسجد لا يعني بالضرورة أن نتعامل مع مرافقه بطريقة واحدة في جميع الأوقات ، دون النظر إلى حجم الإستفادة الفعلية منها ، أو إلى كلفة تشغيلها ، أو إلى المحافظة على موجوداتها .
وهنا يبرز سؤال إداري مهم يستحق النقاش الهادئ والمسؤول :
هل من المنطقي أن تبقى المساجد الكبيرة ، التي تتسع لمئات أو آلاف المصلين ، مفتوحة ومُكيّفة صيفاً ، ومدفأة شتاءً ، طوال ساعات اليوم ، بينما لا يتجاوز عدد المصلين في بعض الصلوات صفاً أو صفين ؟
المسألة ليست تضييقاً على المصلين ، ولا تقليلاً من شأن بيوت الله ، وإنما هي دعوة إلى الإدارة الرشيدة للموارد ، وترشيد إستهلاك الطاقة ، والمحافظة على أموال الوقف والتبرعات ، وحماية ممتلكات المسجد من الإستهلاك غير الضروري .
فالمسجد الكبير يحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء للتبريد في فصل الصيف ، وكميات مماثلة للتدفئة في فصل الشتاء ، كما أن تشغيل أجهزة التكييف والتدفئة بصورة مستمرة يزيد من ساعات عملها ، ويُسرّع حاجتها إلى الصيانة والإستبدال .
ولا يتوقف الأمر عند فاتورة الكهرباء ، فهناك جانب آخر قد لا يلتفت إليه كثيرون ، وهو السجاد .
فالسجاد الموجود في الصفوف الأولى والثانية يتعرض بصورة مستمرة لحركة المصلين ، وقد يتأثر بأشعة الشمس والتهوية والتنظيف المتكرر ، ومع مرور الوقت يبدأ لونه بالتغير مقارنة ببقية سجاد المسجد ، وقد تظهر عليه علامات الإستهلاك بصورة أسرع ، فيضطر المسجد إلى إستبداله قبل إنتهاء العمر الإفتراضي لبقية السجاد .
وهنا يمكن أن نطرح فكرة إدارية عملية قابلة للدراسة والتطبيق :
لماذا لا يكون لكل مسجد كبير مُصلّى ملحق ؟
أي أن يُخصص ملحق خارج المصلى الكبير ، مجهزاً بكل ما يحتاجه المصلون من فرش وتهوية وتدفئة وتبريد ، ويكون هو المكان المستخدم للصلوات اليومية خلال أيام الأسبوع ، بينما يُفتح المسجد الرئيسي بكامل مساحته يوم الجمعة ، وفي الصلوات والمناسبات التي يُتوقع فيها حضور أعداد كبيرة من المصلين .
وبهذه الطريقة نحقق عدة أهداف في وقت واحد :
أولاً : ترشيد إستهلاك الطاقة ، من خلال تشغيل مساحة تتناسب مع عدد المصلين بدلاً من تشغيل مبنى كامل من أجل عدد محدود.
ثانياً : تخفيض نفقات الصيانة والتشغيل ، فكل ساعة تشغيل للأجهزة تعني إستهلاكاً وصيانة وعُمراً إفتراضياً أقل للمعدات .
ثالثاً : المحافظة على سجاد المسجد ، إذ إن تقليل الإستخدام اليومي للمساحة الرئيسية يطيل عمر السجاد ويحافظ على مظهره وجودته .
رابعاً : المحافظة على المال العام ومال الوقف والتبرعات ، فالتوفير في الكهرباء والصيانة والإستبدال يمكن توجيهه إلى مجالات أخرى يحتاج إليها المسجد والمجتمع .
خامساً : تحقيق مفهوم الإدارة المستدامة للمساجد ، فالمحافظة على بيت الله لا تكون فقط ببناء المسجد وتجميله ، وإنما أيضاً بحسن تشغيله وإدارته والمحافظة على موارده .
المسجد الكبير للجموع ، والمصلّى الملحق للصلوات اليومية
الفكرة في جوهرها بسيطة جداً : عندما يأتي يوم الجمعة ، أو تُقام صلاة جماعة كبيرة ، يُفتح المسجد بكامل طاقته لإستقبال المصلين ، وعندما تكون الصلاة في وقت لا يحضر فيه إلا عدد محدود ، يكون المصلّى الملحق هو المكان المناسب للصلاة .
وهذا الأمر لا يعني إغلاق المسجد في وجه المصلين ، وإنما تنظيم إستخدام مساحاته وفق حجم الحاجة الفعلية إليها .
فالهدف ليس أن نقول : لا تفتحوا المساجد ، وإنما أن نقول : إفتحوا المسجد بالقدر الذي يحتاجه المصلون ، وحافظوا على بقية المساحة عندما لا تكون هناك حاجة لإستخدامها .
وهذا هو جوهر الإدارة الناجحة : أن تتناسب الموارد المستخدمة مع الحاجة الفعلية .
وقد يكون من المفيد أن تُجرى دراسة ميدانية على عدد من المساجد الكبيرة ، يتم خلالها قياس أعداد المصلين في الصلوات الخمس ، وإستهلاك الكهرباء ، وكلفة التدفئة والتبريد ، ونفقات الصيانة ، وعمر السجاد ، ثم مقارنة النتائج بين المساجد التي تستخدم كامل مساحتها طوال اليوم ، والمساجد التي يمكن أن تعتمد نظام المصلّى الملحق .
وقد تكشف هذه الدراسة عن وفورات مالية كبيرة يمكن إستثمارها في صيانة المساجد ، وتحسين خدماتها ، وتركيب أنظمة الطاقة الشمسية ، وتوفير المياه ، وتجهيز المساجد لذوي الإعاقة ، والعناية بالمرافق الصحية ، وغيرها من الإحتياجات المهمة .
ليس كل توفيرٍ تقليلاً ، وليس كل إنفاقٍ تكريماً
نحن بحاجة إلى تغيير بعض المفاهيم الإدارية .
فليس صحيحاً أن إبقاء آلاف الأمتار المربعة مضاءة ومبرّدة أو مدفأة طوال اليوم هو بالضرورة دليل على العناية بالمسجد ، كما أن تقليل مساحة التشغيل عند إنخفاض عدد المصلين لا يعني التقصير في خدمة بيوت الله.
العناية الحقيقية أن نحافظ على المسجد ، وعلى أمواله ، وعلى مرافقه ، وأن نستخدم موارده بحكمة ومسؤولية.
وإذا كانت المساجد بيوت الله ، فإن المحافظة عليها مسؤولية الجميع ، والإدارة الرشيدة لهذه البيوت المباركة ينبغي أن تقوم على العبادة ، والكفاءة ، والاستدامة ، وحسن التدبير .
إنها ليست دعوة إلى إطفاء الأنوار في بيوت الله ، ولا إلى إغلاق أبوابها ، وإنما دعوة إلى أن نضيء المكان الذي يحتاجه المصلون ، ونُبقي ما عداه محفوظاً لوقت الحاجة .
فالمسجد الذي يُدار بحكمة ، ويُصان بعناية ، وتُحفظ موارده ، ويُفتح للمصلين وفق حاجتهم ، هو أيضاً صورة من صور الأمانة .
والأمانة لا تعني فقط أن نبني بيوت الله ، وإنما تعني كذلك أن نحافظ عليها للأجيال القادمة .




