القلعة نيوز:
يتطلب التخطيط الاستراتيجي المستدام في الأردن
الموازنة الدقيقة بين متطلبات النمو الاقتصادي وتحديث البنية التحتية من جهة،
ومحددات البيئة وندرة الموارد الطبيعية من جهة أخرى. وفي هذا السياق، وبعد إقرار
مجلس النواب مؤخراً لمشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية، تمثل قوانين
الأراضي والعقارات المحرك الأساسي لتنظيم استخدامات الموارد المكانية. تشير
البيانات البيئية إلى أن الأردن يتسم ببيئة هشة؛ إذ تشكل الأراضي الصحراوية
والهامشية نحو 88% من مساحة المملكة، في حين تقتصر المساحات القابلة للزراعة على
ما يقارب 10.4% فقط، مع تعرض 41% من إجمالي الأراضي لدرجات متفاوتة من التدهور
البيئي. تضع هذه المعطيات العلمية مسؤولية مضاعفة على الجهات التنفيذية وصناع
القرار لضمان توافق تطبيق هذا القانون مع الالتزامات الوطنية الرامية إلى تحقيق
"حيادية تدهور الأراضي" بحلول عام 2030، وحماية الرقعة الزراعية
المحدودة.
من أبرز المحاور التي تتطلب متابعة فنية وهندسية
صارمة أثناء تطبيق التعديلات العقارية المقرة، مسألة توسيع نطاق الاستملاك ليشمل
مشاريع السكك الحديدية ضمن آلية استقطاع ربع مساحة العقار دون تعويض، استناداً إلى
القياس على الطرق المحلية. من منظور التخطيط المكاني والبيئي، تتباين الخصائص
التأثيرية لكل من البنيتين؛ فالطرق المحلية تتسم بمرونة الاندماج في المحيط
الزراعي وتسهم في تحسين الوصولية ورفع القيمة التنموية للأرض. في المقابل، تتطلب
خطوط السكك الحديدية المخصصة للشحن مواصفات هندسية صارمة تشمل الأسيجة الواقية، والأساسات
العميقة، ومناطق الارتداد، مما يخلق ما يُعرف بـ "تأثير الحاجز". يؤدي
هذا التأثير إلى تجزئة الحيازات الزراعية، وتغيير مسارات الجريان السطحي الطبيعي
للمياه مما قد يتسبب في تغدق التربة أو تملحها، فضلاً عن التأثيرات الموضعية
الناتجة عن الاهتزازات. وعليه، فإن مشاريع السكك الحديدية قد تحد من الجدوى
الزراعية للأجزاء المتبقية من العقار، مما يستدعي تبني مقاربات تقييمية تضمن
الحفاظ على القيمة الإنتاجية للأراضي المتأثرة عند تنفيذ هذه الاستملاكات.
وعلى صعيد إدارة موارد الدولة، تضمن القانون
المعدل إتاحة نقل ملكية أراضي الخزينة للصناديق والشركات الاستثمارية بهدف تحفيز
المشاريع الكبرى. يتطلب تنفيذ هذا التوجه إدماج أدوات التخطيط البيئي ضمن
الإجراءات الإدارية، وتحديداً "التقييم البيئي الاستراتيجي". فالأراضي
المصنفة قانونياً كأراضٍ موات أو رعوية تؤدي وظائف إيكولوجية بالغة الأهمية؛ فهي
تعمل كمسطحات حيوية لتغذية الأحواض المائية الجوفية، وتساهم في تثبيت التربة ومنع
الانجراف، وتدعم التنوع الحيوي. إن توجيه هذه الأراضي نحو الاستثمار الحضري أو
الصناعي دون دراسات بيئية مسبقة قد يعطل هذه الوظائف الحيوية، مما يؤثر سلباً على
المخزون المائي الاستراتيجي للأردن.
ويمتد التأثير الهيكلي للسياسات المرتبطة بالأراضي
والمياه إلى منطقة وادي الأردن (الأغوار)، التي تمثل العمق الإستراتيجي للأمن
الغذائي الوطني. تظهر التحليلات الزراعية الممتدة منذ عام 1990 تحولاً عميقاً في
نمط استخدام الأراضي؛ ففي حين يبدو إجمالي المساحة المزروعة مستقراً، تكشف
البيانات عن تراجع حاد في مساحات المحاصيل الحقلية التقليدية بنحو 60%، يقابله نمو
غير مسبوق في مساحات الزراعة المحمية بنسبة 1300%.
يُعزى هذا التحول إلى ديناميكيات اقتصادية ومناخية
قادت إلى تطبيق عملي لـ "مفارقة جيفونز". فقد أدى تبني تقنيات الري
الحديثة والموفرة للمياه إلى خفض كلفة استخدام المياه، مما حفز الاستثمار الزراعي
نحو استغلال هذه الوفورات للتوسع في زراعة محاصيل نقدية ذات جدوى اقتصادية عالية
واستهلاك مائي مكثف، كأشجار النخيل. ورغم العوائد الاستثمارية الإيجابية لهذا
التحول، إلا أنه أسهم في تهميش المحاصيل الأساسية وصغار المزارعين، وأدى إلى زيادة
في الاستهلاك المطلق للمياه بدلاً من توفيرها.
بناءً على ما سبق، وبعد دخول التعديلات حيز
الإقرار، نوصي بأن يتم تأطير التطبيق العملي للتشريعات العقارية والاستثمارية
بمحددات السيادة الغذائية والمرونة البيئية. إن حماية ما تبقى من الأراضي الصالحة
للزراعة، وإدارة الموارد المائية بناءً على تقييمات الاستدامة الشاملة، ليست مجرد
اعتبارات بيئية ثانوية، بل هي ركائز أساسية لضمان صمود الاقتصاد الأردني وقدرته
على التكيف مع التغيرات المناخية، وحماية الأمن الوطني الشامل للأجيال القادمة.




