الدكتور نسيم أبو خضير
في زمنٍ أصبح فيه الوقت جزءًا من حياة المواطن وكرامته ، لم تعد جودة الخدمة الحكومية تقاس فقط بإنجاز المعاملة ، وإنما أصبحت تقاس أيضًا بمدى سهولة الوصول إليها ، وسرعة إنجازها ، وحجم الوقت والجهد الذي توفره للمواطن .
ومن هنا جاءت مراكز الخدمات الحكومية كواحدة من التجارب الإدارية المهمة التي تستحق التقدير والإشادة ، لأنها نقلت مفهوم الخدمة الحكومية من تعدد الأبواب والدوائر والمراجعات إلى مفهوم أكثر حداثة ، يقوم على وضع المواطن في مركز العملية الخدمية .
فبدل أن يذهب المواطن إلى عدة مؤسسات لإنجاز معاملاته ، تأتي المؤسسات والخدمات إليه في مكان واحد .
وهذا يعني إختصارًا حقيقيًا للوقت والجهد ، وتقليلًا للتنقل بين الدوائر ، وتخفيفًا للإزدحام ، وتسهيلًا على كبار السن ، والنساء ، وذوي الإعاقة ، وكل مواطن يريد إنجاز معاملته دون أن يقضي يومًا كاملًا بين المكاتب الحكومية .
وفي مركز الخدمات الحكومية بأبو نصير ، على سبيل المثال ، أُتيح في مرحلته الأولى إنجاز ( 116 )خدمة حكومية بالتعاون مع ( 23 )مؤسسة حكومية في موقع واحد .
ومركز أبو نصير تحديدًا يمثل أهمية إضافية لأبناء شمال العاصمة ، لأنه يوفر لهم مجموعة كبيرة من الخدمات في موقع قريب ، بدل إضطرار المواطن إلى مراجعة أكثر من مؤسسة في أماكن مختلفة .
وفي مراكز أخرى ، تتنوع الخدمات لتشمل معاملات إدارية ، وتصديق الشهادات ، والإستعلام عن المخالفات ، وخدمات البريد ، ودفع الضرائب ، إلى جانب خدمات أخرى يجري التوسع فيها تدريجيًا .
وهنا تكمن أهمية التجربة في أن
المواطن لا يريد من الحكومة أن تعطيه شيئًا خارج حقه ، بل يريد أن يحصل على حقه بسهولة ، وعدالة ، وإحترام ، وسرعة .
وكل دقيقة يوفرها مركز خدمات حكومي على المواطن تعني شيئًا مهمًا في حياته ، وكل رحلة يُعفى منها ، وكل طابور طويل يُختصر ، وكل معاملة تُنجز من مكان واحد بدل عدة أماكن ، هي في الحقيقة صورة من صور إحترام المواطن .
وقد أشارت وزارة الإقتصاد الرقمي والريادة إلى أن مراكز الخدمات الحكومية تهدف إلى تبسيط الإجراءات ، ورفع رضا المواطنين ، وتوفير عدد كبير من الخدمات في موقع واحد ، مع استمرار خطة التوسع في هذه المراكز .
والأجمل في هذه التجربة أنها لا تنظر إلى المواطن بإعتباره مراجعًا فقط ، وإنما بإعتباره محور الخدمة .
وهذه نقلة مهمة في الفكر الإداري ، فالمؤسسة الحكومية الناجحة ليست التي تملك أكبر عدد من المكاتب ، وإنما التي تستطيع أن تقدم للمواطن الخدمة بأقل وقت وجهد ممكن ، وبأعلى مستوى من الاحترام والكفاءة .
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن الحكومة لا تكتفي بتقديم الخدمات التقليدية ، بل تمضي بالتوازي نحو التحول الرقمي ، حيث تتيح منصة سند الوصول إلى أكثر من 550 خدمة رقمية من أكثر من 50 جهة حكومية وقطاع خاص ، بما يسمح للمواطن بإنجاز العديد من معاملاته إلكترونيًا من أي مكان .
ومن الإنصاف هنا أن نتوجه بالشكر إلى معالي وزير الاقتصاد الرقمي والريادة المهندس سامي سميرات ، وإلى فريق الوزارة والعاملين في منظومة مراكز الخدمات الحكومية ، على الجهود التي تُبذل في تطوير هذه التجربة ، وتحويلها من فكرة في برامج التحديث إلى واقع يلمسه المواطن يوميًا .
وقد أكدت هيئة الخدمة والإدارة العامة أن تطوير الخدمات المقدمة للمواطنين من خلال هذه المراكز يمثل أحد الإنجازات النوعية للوزارة .
والشكر موصول بصورة خاصة إلى السيدة الاستاذة ديما النهار ، مديرة مديرية مراكز الخدمات الحكومية ورحلة المستخدم ، وفريق العمل معها ، على الجهد المبذول في تصميم تجربة تتمحور حول المواطن ، ومتابعة أداء المراكز وفق معايير تهدف إلى الوصول إلى أعلى مستويات رضا متلقي الخدمة .
وهنا لا بد أن نقول شيئًا مهمًا إن
الإدارة الناجحة لا تظهر فقط في القرارات الكبيرة ، وإنما تظهر في التفاصيل الصغيرة التي يشعر بها المواطن .
أن يدخل المواطن إلى المركز وهو يحمل معاملة ، ثم يجد موظفًا يستقبله بإحترام ، ويشرح له المطلوب ، ويوجهه إلى المكان الصحيح ، ويختصر عليه الوقت ، ثم يخرج وقد أنجز معاملته دون عناء طويل ، فهذا بحد ذاته إنجاز إداري يستحق أن يُذكر .
كما أن الشكر واجب لكل الكوادر العاملة في مركز الخدمات الحكومي في أبو نصير مديراً وموظفين ، الذين يتعاملون يوميًا مع المواطنين ويشكلون الوجه المباشر لهذه التجربة الوطنية .
نحن بحاجة إلى أن نشجع كل تجربة حكومية ناجحة ، وأن نقول للمسؤول والموظف الذي يحسن خدمة الناس : شكرًا .
فالنقد مطلوب عندما يكون هناك تقصير ، لكن الإنصاف يقتضي أيضًا أن نشكر من يعمل ويُنجز ويطور .
والأردن اليوم يمضي في مسار تحديث إداري ورقمي أوسع ، ومراكز الخدمات الحكومية واحدة من الصور العملية لهذا التحديث ، خصوصًا مع إستمرار العمل على إعادة تقييم توزيع المراكز ورفع كفاءتها ووضع المواطن في قلب عملية تقديم الخدمة .
إنها ليست مجرد مراكز معاملات... إنها ثقافة جديدة في الإدارة الحكومية .
ثقافة تقول إن المواطن لا ينبغي أن يبحث عن الدائرة الحكومية ، بل ينبغي أن تكون الخدمة أقرب إليه .
وثقافة تقول إن التكنولوجيا ليست هدفًا بحد ذاتها ، وإنما وسيلة لتسهيل حياة الإنسان .
وثقافة تقول إن الموظف الحكومي ليس مجرد منفذ للمعاملة ، وإنما هو واجهة الدولة أمام المواطن .
ومن هنا ، فإننا نتطلع إلى مزيد من التوسع في هذه المراكز ، ومزيد من الخدمات ، ومزيد من الربط الإلكتروني بين المؤسسات ، ومزيد من تمكين المواطن من إنجاز معاملاته دون الحاجة إلى التنقل بين الدوائر .
كل التحية لكل يد تعمل من أجل تسهيل حياة المواطن الأردني .
والشكر لمعالي المهندس سامي سميرات ، وللسيدة الأستاذة ديما النهار ، ولجميع العاملين في مراكز الخدمات الحكومية ، ولكل موظف يقف خلف شباك الخدمة ويؤدي واجبه بإخلاص وإحترام .
فقد لا يعرف المواطن أسماءكم جميعًا ، وقد لا يعرف حجم الجهد الذي يبذل خلف الكواليس ، لكنه يعرف شيئًا واحدًا عندما يغادر المركز إحتراماً وإنجازاً وخدمةً .
وهنا يكون النجاح الحقيقي .
إن مراكز الخدمات الحكومية... خطوة إدارية جميلة ، وتجربة وطنية تستحق الدعم ، لأنها تختصر المسافة بين المواطن والدولة ، وتعيد تعريف الخدمة الحكومية من "معاملة" إلى "تجربة إنسانية محترمة".
بارك جهودكم وسدد على طريق الخير خطواتكم .




