القلعة نيوز - بقلم: جهاد مساعدة
كان الحشّاشون قديمًا يحتاجون إلى قلعةٍ وخنجرٍ وطريقٍ يقود إلى الضحية.
وارتبط اسمهم تاريخيًا بقلعة أَلَمُوت، التي غدت رمزًا لمرحلةٍ اشتهر فيها الاغتيال السياسي أداةً للصراع.
أما حشّاشو العصر الرقمي فقد اختصروا المسافة؛ فلا قلعة ولا خنجر ولا حاجة إلى الاقتراب من الخصم.
يكفي هاتفٌ، وحسابٌ على منصة، وجملةٌ مبتورة، وصورةٌ منزوعة من سياقها، ثم يبدأ اغتيال السمعة.
كان الحشّاش القديم يحتاج إلى الاقتراب من ضحيته، أما الحشّاش الرقمي فيكفيه أن يبتعد عن الحقيقة.
ولكل جماعةٍ من هؤلاء مِرْياعٌ رقميٌّ؛ يتقدم، فيتبعه قطيعٌ لا يشترط أن يعرف الطريق؛ لأن وظيفته أن يتبع لا أن يسأل.
يكتب المِرْياع ضد الدولة، أو يطعن في مؤسسةٍ وطنية، أو يستهدف شخصيةً عُرفت بالنزاهة والعمل، فتتحول المنصات إلى محاكم؛ قضاةٌ بلا ملفات، وشهودٌ بلا وقائع، وأحكامٌ تسبق الأدلة.
المِرْياع لا يحتاج إلى حجة؛ يكفيه أن يطلق الإشارة، فيتدافع القطيع لاختلاق الباقي.
يلمّح هو، فيتهمون هم، ويرمي شبهةً صغيرة فتعود إليه بعد ساعات جبلًا من الكلام، فيقف فوقه مزهوًّا ويقول: الرأي العام يتحدث.
والحقيقة أن الرأي العام لم يتحدث؛ المِرْياع تحدّث مرة، والقطيع كرره مئة مرة، ثم عاد ليستشهد بثغائهم على صحة ما قال.
هذه ليست كثرة آراء، بل كثرة نسخ.
ويكفي سؤال واحد: ما دليلك؟
حتى تكتشف أن الجبل كله لم يكن سوى كومةٍ من الصدى.
ومن طرائف هذه البيئة ريما الحندئه؛ وهي مِرْياعٌ كان لها قطيعها وصفحتها ومنقارها.
كانت ترى الإساءة نقدًا، والتجريح جرأةً، والتطاول بطولةً.
كانت تنفش ريشها لتبدو أكبر من حجمها، وتتوهم أن الصفحة التي تنال بها من الآخرين تزيدها مقامًا.
ثم دارت الأيام، فانتهت الحندئة إلى القفص.
وهناك لم يحتج أحد إلى نتف ريشها؛ أخذت تعضّه بنفسها، ريشةً بعد ريشة، بأسنان الندم.
كانت تنفشه بالأمس لتكبر، وصارت تنتفه اليوم بعدما اكتشفت أن صفحتها لم تكن تسجل سيرة من أساءت إليهم، بل كانت تكتب سيرتها هي.
فالصفحات مرايا أيضًا، ومن يلطخ المرآة بالطين لا ينبغي أن يغضب من الصورة التي تعيدها إليه.
أما المِرْياع الآخر، زعيم الحشّاشين صاحب الرتبة الوهمية، فقد رأى القفص والحندئة والريش المتناثر، وكان يمكن أن يعتبر. لكنه، فيما يبدو، لم يلفت نظره من المشهد إلا المقاس؛ فأخرج شريط القياس، وقاس الطول والعرض، ثم قاس غروره، فاكتشف أن القفص يحتاج إلى توسعة.
بعض الناس يرى مصير غيره فيغيّر طريقه، وبعضهم لا يتعلم من القفص إلا كيف يطلب واحدًا أكثر اتساعًا؛ فالمشكلة تبدأ حين يتنازل الإنسان عن عقله طوعًا، ويضعه في جيب المِرْياع، ثم يمضي خلف القطيع وهو يظن أنه صاحب موقف.
يردد ما لم يفكر فيه، ويدافع عما لم يتحقق منه، ويغضب في معركة لا يعرف كيف بدأت.
ليست هذه حرية رأي، بل استقالة عقل، تمنحه عضويةً مجانيةً في نادي القطيع.
ولهذا يكفي المشهد الأخير: الحندئه في القفص تعضّ ريشها ندمًا، والمِرْياع الآخر في الخارج يظن نفسه ناجيًا، بينما الحدّاد، في هدوء، ما يزال يأخذ المقاسات.




