القلعة نيوز - بقلم: المهندس خالد ابوعليم/استشاري النقل العام/المملكة العربية السعودية
لم يعد قطاع النقل والتخزين مجرد خدمة مساندة للاقتصاد، بل أصبح أحد أهم مؤشرات قوة الدول وقدرتها على جذب الاستثمار وتعزيز التجارة. وفي عالم تتنافس فيه الموانئ والمطارات والمناطق اللوجستية على استقطاب حركة البضائع، تبرز الحاجة إلى استراتيجية وطنية متكاملة تجعل من الأردن لاعبًا رئيسيًا في سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية.
ويمتلك الأردن مقومات تؤهله لذلك؛ فموقعه الجغرافي يربط دول الخليج ببلاد الشام والعراق ومصر، كما يشكل ميناء العقبة البوابة البحرية الوحيدة للمملكة، إضافة إلى شبكة الطرق البرية التي تربط الأسواق العربية.
وقد جاءت رؤية التحديث الاقتصادي والاستراتيجية الوطنية للنقل لتؤكد أهمية تطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة الخدمات اللوجستية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يدعم النمو الاقتصادي ويخلق فرص عمل جديدة.
إلا أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب أكثر من إنشاء الطرق والمستودعات؛ فهو يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الرقمنة، وتسهيل الإجراءات الجمركية، وربط الموانئ بالمناطق الصناعية، وتطوير النقل متعدد الوسائط الذي يجمع بين النقل البري والبحري والسككي والجوي في شبكة واحدة.
وتؤكد التجارب العالمية أن النجاح في هذا المجال ليس حكرًا على الدول الكبرى.
ففي سنغافورة، تحولت الدولة الصغيرة إلى واحدة من أكبر المراكز اللوجستية في العالم بفضل الموانئ الذكية، والمستودعات المؤتمتة، والاعتماد على التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في إدارة حركة البضائع.
أما هولندا، فقد نجح ميناء روتردام في أن يصبح أكبر ميناء في أوروبا من خلال التكامل بين الميناء والسكك الحديدية والطرق السريعة، واستخدام الأنظمة الرقمية لتقليل زمن التخليص وزيادة كفاءة العمليات.
وفي منطقة الشرق الأوسط، تمثل ميناء جبل علي نموذجًا بارزًا، حيث أسهمت المناطق الحرة والخدمات اللوجستية المتطورة في تحويل دبي إلى مركز عالمي لإعادة التصدير والتوزيع.
وبالنسبة للأردن، فإن الفرصة تكمن في استثمار ميناء العقبة وربطه بمراكز لوجستية حديثة، واستكمال مشاريع السكك الحديدية، وتوسيع استخدام الأنظمة الذكية في إدارة النقل والتخزين، مع تشجيع الاستثمار في المستودعات المتطورة وسلاسل التبريد والخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة.
كما أن تطوير الكفاءات البشرية، وتبسيط الإجراءات الحكومية، وتحسين مؤشرات الأداء اللوجستي، سيعزز ثقة المستثمرين ويزيد من تنافسية الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها التجارة العالمية وسعي الشركات إلى تنويع ممرات النقل.
إن بناء منظومة نقل وتخزين حديثة ليس مشروعًا قطاعيًا فحسب، بل هو مشروع اقتصادي وطني ينعكس أثره على الصناعة والتجارة والسياحة والاستثمار.
وإذا نجح الأردن في الاستفادة من موقعه الاستراتيجي وتطبيق أفضل الممارسات العالمية، فإنه يمتلك فرصة حقيقية ليصبح مركزًا لوجستيًا إقليميًا يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ويعزز مكانته على خريطة التجارة الدولية.
من هنا جاء توجيه جلالة الملك المعظم بالامس بالتشديد على ضرورة واهمية ايلاء هذا القطاع الاولوية القصوى ويأتي ضمن رؤية استشرافية تتطلع الى جعل الاردن في قلب الاقتصاد العالمي.
عانينا سابقا وكنا كأختصاصيين نرى ان هناك غياب للارادة السياسية في دعم وتطوير النقل بمختلف صنوفه واشكاله، الا ان الفرصة الذهبية اللائحة الان بتوجيه من جلالة الملك ان تغتنمها الحكومة بمختلف اذرعها التنفيذية والتشريعية لوضع هذا القطاع في المكانة التي تعود بالنفع على الوطن والمواطن




