القلعة نيوز:
لم أعتد أن أكون مجرد شخص يشغل مكانًا أو يحمل منصبًا، بل اعتدت أن أسأل نفسي دائمًا: ماذا يمكن أن أضيف؟ ماذا يمكن أن أغيّر؟ وما الأثر الذي سيبقى بعد وجودي؟
أنا د. محمد المقابلة، أردني الجنسية وأفتخر، وقد شاءت الظروف أن أنتقل إلى العراق، بلدي الثاني الذي أعتز به، لأتولى إدارة مركز دار العطاء للتوحد وتأخر النطق. ولم يكن انتقالي مجرد انتقال من مكان إلى آخر، ولا مجرد تولي منصب إداري، بل كان انتقالًا بكل ما أحمله من علم وخبرة وتجارب، وبإيمان راسخ بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقوله عن نفسه، وإنما بما يتركه من أثر.
منذ اليوم الأول، كان هدفي أن أحوّل ما تعلمته طوال سنوات عملي إلى واقع ملموس؛ أن أجعل من المشكلة نقطة بداية، ومن التحدي فرصة، ومن الخطة عملًا، ومن العمل نتيجة يلمسها الطفل وأسرته والفريق على أرض الواقع.
أنا لا أرى الإدارة مكتبًا أو لقبًا أو منصبًا، بل أراها قدرة على قراءة الواقع، وتحديد الخلل، وفهم أسبابه، ووضع الحل المناسب، ثم متابعة التنفيذ وقياس النتائج والتطوير المستمر. وهذا بالنسبة لي ليس شعارًا، بل منهج عمل عشته ومارسته طوال مسيرتي.
لقد أخذت من الأردن علمي وخبرتي وتجربتي، ولم أتركها حبيسة الشهادات والملفات، بل حملتها معي إلى العراق ووضعتها أمام الاختبار الحقيقي: اختبار الواقع. فأنا أؤمن أن الشهادة التي لا تتحول إلى إنجاز تبقى ورقة، والخبرة التي لا تصنع فرقًا تبقى معلومات، والمنصب الذي لا يترك أثرًا يبقى مجرد كرسي.
وعندما أواجه مشكلة، لا أبحث عن الأعذار ولا عن شخص أحمّله المسؤولية؛ أبحث عن أصل المشكلة: أين الخلل؟ لماذا حدث؟ وكيف نعالجه؟ ثم نضع الخطة، ننفذها، نتابعها، نقيس نتائجها، ونطورها حتى نصل إلى الأفضل.
وربما هنا تكمن الإجابة عن سؤال البعض: ما سر النجاح؟
لا يوجد سر، ولا عصا سحرية. هناك علم، وخبرة، وتجارب، وأخطاء تعلمت منها، وقرارات تحملت مسؤوليتها، وإصرار على ألا تكون المشكلة نهاية الطريق.
أنا لا أرى المشكلة عائقًا… بل أراها بداية البحث عن الحل.
لكن العمل مع أطفال التوحد وتأخر النطق يجعل المسؤولية أكبر؛ لأننا لا نتعامل مع أرقام وملفات فقط، بل مع أطفال وأسر وأحلام وأمل.
ولهذا فإن وجودي في مركز دار العطاء ليس بالنسبة لي مجرد وظيفة أو منصب، وإنما رسالة إنسانية وأمانة ومسؤولية.
أن ترى طفلًا يتقدم في التواصل، أو يكتسب مهارة جديدة، أو يخطو خطوة نحو الاستقلال، وأن ترى أمًا جاءت تحمل القلق ثم بدأت تغادر وهي تحمل الأمل؛ عندها تعرف أن كل جهد وكل ساعة تعلم وكل تحدٍ كان يستحق.
فالنجاح الحقيقي لا يُكتب فقط في التقارير، وإنما يظهر في حياة الأطفال، وفي رضا الأهالي، وفي التطور الذي يراه الجميع على أرض الواقع.
أنا أردني وأفتخر بأردنيتي، وأعتز بكل ما تعلمته في وطني، وفي الوقت نفسه أعتز بالعراق الذي أصبح جزءًا مهمًا من تجربتي المهنية والإنسانية. وأؤمن أن العلم والخبرة لا ينبغي أن يتوقفا عند حدود المكان؛ فحين تُستخدم المعرفة لخدمة الآخرين تتحول إلى رسالة، وحين تترك الرسالة أثرًا تصبح إرثًا.
وقد يظن البعض أن الثقة بالنفس غرور، لكنني أرى أن الثقة الحقيقية ليست أن تقول: أنا لا أخطئ، بل أن تقول: مهما كانت المشكلة، سأتعلم وأبحث وأجد طريقًا للحل.
لذلك لا أحتاج أن أقول إنني الأفضل؛ فالنتائج تتحدث، ورضا الأهالي يحكم، والأثر هو المعيار الحقيقي.
فالمنصب لا يصنع الإنسان، واللقب لا يصنع القائد، وكثرة الكلام لا تعني الإنجاز. الإنسان يظهر عندما توضع أمامه مسؤولية حقيقية، ومشكلة حقيقية، وتحدٍ حقيقي، ثم يُطلب منه أن يجد الحل.
أنا لا أبحث عن مكان يقال فيه إنني نجحت، بل أبحث عن مكان يحتاج إلى تطوير، ومشكلة تحتاج إلى حل، وفريق يحتاج إلى قيادة، وطفل يحتاج إلى فرصة، وأسرة تحتاج إلى أمل.
وفي النهاية، قد ينتهي المنصب، ويتغير المكان، وتتغير الظروف، وقد ينسى الناس كثيرًا مما قيل، لكن شيئًا واحدًا يبقى:
الأثر الذي تركته في حياة إنسان.
وهذا هو النجاح الحقيقي بالنسبة لي: أن أكون حيث أستطيع أن أضيف، وأن أعمل حيث أستطيع أن أحدث فرقًا، وأن أترك المكان أفضل مما كان عليه عندما وصلت.
لقد علمتني الحياة أن الإنسان الناجح ليس من يجد دائمًا المكان المثالي، بل من يستطيع أن يجعل المكان الذي يوجد فيه أفضل.
ومن الأردن حملت فخر الانتماء، وحملت معي خبرتي وتجربتي، وفي العراق وجدت فرصة جديدة للعطاء والعمل وصناعة الأثر.
وسأستمر في التعلم والتطوير والعمل والإبداع، لأنني أؤمن أن الإنسان قد يملك العلم، والخبرة، والمنصب، لكن القيمة الحقيقية لكل ذلك تظهر عندما يستخدمه لخدمة الآخرين.
العلم خبرة، والخبرة مسؤولية، والمسؤولية أمانة، والأمانة أثر… والأثر هو ما يبقى.
من الأردن إلى العراق… لم تكن الرحلة بحثًا عن منصب، بل كانت رحلة بحث عن أثر..




