الدكتور بكر عبدالرحيم الشوابكة
نتحدث اليوم عن شيء سيطر على حياتنا حتى أصبح جزءا لا يكاد يفارقنا في كل لحظة من لحظات يومنا شيء نحمله معنا أينما ذهبنا ونضعه بجانبنا حين ننام ونبحث عنه فور استيقاظنا إنه الهاتف الذي بدأ كوسيلة للتواصل ثم تحول شيئا فشيئا إلى نافذة نطل من خلالها على العالم كله
فلم يعد الهاتف مجرد جهاز نضعه في جيوبنا ونستعين به عند الحاجة بل أصبح رفيقا دائما يلازمنا في تفاصيل يومنا الصغيرة والكبيرة نستيقظ على صوته وننام على ضوئه وبين الاستيقاظ والنوم يمرر لنا آلاف الصور والأفكار والأخبار والآراء
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو هل ما زلنا نختار ما نراه ونقرأه أم أن الهاتف أصبح يختار لنا
نحن نفتح الهاتف لنبحث عن معلومة فيقترح علينا عشرات المعلومات نشاهد مقطعا فيتبعه مقطع آخر يشبهه نعجب بفكرة فتتوالى أمامنا الأفكار التي تؤيدها ومع الوقت قد نجد أنفسنا داخل دائرة لا نرى خارجها إلا القليل
وهنا تكمن المشكلة
كيف عرف الهاتف ما الذي يلفت انتباهنا
هناك خوارزميات تتعلم من سلوكنا ماذا نشاهد وماذا نتجاهل وكم من الوقت نبقى أمام الشاشة وما الذي نتوقف عنده وما الذي نتجاوزه ثم تبدأ بتوقع ما قد يجذبنا فتضعه أمام أعيننا قبل أن نطلبه
ولم تعد المشكلة أنه يأخذ من وقتنا فقط بل بدأ يأخذنا شيئا فشيئا نحو التأثير في طريقة تفكيرنا واختياراتنا دون أن نشعر أخذ الهاتف شيئا من قدرتنا على التفكير والبحث والصبر فأصبحنا أحيانا ننتظر منه الإجابة بدل أن نبحث عنها بأنفسنا ونترك له مهمة اقتراح ما نقرأ وما نشاهد بدلا من أن نختار نحن
والأخطر أن هذا التغيير لم يحدث دفعة واحدة حتى نشعر به ونقاومه بل تسلل إلى عقولنا ببطء حتى أصبح جزءا من حياتنا دون أن ننتبه
قد يبدو الأمر مريحا في ظاهره لكنه يحمل سؤالا أعمق إذا كان الهاتف يعرف باستمرار ماذا نرى وماذا نتوقف عنده فهل بدأ يؤثر في الطريقة التي نفكر بها
ومع كثرة التكرار قد تتحول المعلومة إلى قناعة والقناعة إلى موقف والموقف إلى سلوك
ولنكن واقعيين أكثر الهاتف ليس المشكلة في حد ذاته فهو أداة عظيمة يمكن أن تكون وسيلة للعلم والتواصل والمعرفة لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى موجه للعقل وعندما يصبح الإنسان تابعا لما تقترحه الشاشة بدل أن يسأل ويتحقق ويقارن
إن الحرية الحقيقية ليست أن يكون أمامنا ملايين الخيارات وإنما أن نمتلك القدرة على الاختيار الواعي وأن ندرك أن الهاتف والتكنولوجيا لم تصنع نفسها بنفسها بل صنعها الإنسان وطوّرها بعقله ومعرفته ثم عاد هو نفسه ليستخدمها ولذلك فإن مواجهة تأثيرها ليست أمرا سهلا لأننا لا نواجه آلة مجهولة بل نواجه تقنيات صممها عقل الإنسان وتطورت على أيدي علماء ومبرمجين يعرفون كيف تجذب انتباهنا وكيف تؤثر في سلوكنا وكيف تجعلنا نبقى أمام الشاشة وقتا أطول ولهذا فإن التغلب على تأثيرها لا يكون بمجرد إغلاق الهاتف أو الابتعاد عنه وإنما يحتاج إلى وعي حقيقي وإرادة وقدرة على أن نستخدم التكنولوجيا دون أن نسمح لها بأن تستخدم عقولنا
وربما حان الوقت لأن نسأل أنفسنا في كل مرة نضع فيها أيدينا على الهاتف
هل أنا الذي أستخدم الهاتف أم أن الهاتف بدأ يستخدم عقلي
فالمعركة القادمة قد لا تكون على امتلاك التكنولوجيا بل على الاحتفاظ بإنسانيتنا وقدرتنا على التفكير والاختيار




