بقلم / الاستاذ المحامي ماجد الكعابنه
الكل كتب عن زيارة جلالة الملك الى الصين والكل تحدث عن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والشراكات الاقتصادية والاستثمارية التي جرى توقيعها والفرص التي يمكن ان تفتحها هذه الزيارة امام الاقتصاد الاردني ولكن وسط هذا الاحتفاء الرسمي والشعبي بالمشهد الخارجي غاب عن النقاش سؤال ربما يكون هو الاكثر اهمية هل مؤسساتنا الداخلية مهيأة فعلا لاستيعاب ما جرى انجازه خارجيا
زيارة جلالة الملك ليست مجرد زيارة دبلوماسية او بروتوكولية وليست مجرد اتفاقيات تضاف الى سجل العلاقات الاردنية الصينية بل هي محاولة لفتح ابواب اقتصادية جديدة امام الاردن واستقطاب الاستثمارات وتعزيز الشراكات ونقل التكنولوجيا وخلق فرص حقيقية يمكن ان تنعكس على الاقتصاد الوطني
لكن الاتفاقية مهما كانت قيمتها لا تصنع وحدها استثمارا ولا توفر وحدها فرصة عمل ولا تضمن وحدها دخول المستثمر الى السوق فالمرحلة الاصعب تبدأ بعد التوقيع وتبدأ من داخل مؤسساتنا
هنا يجب ان نطرح السؤال بصراحة هل تشريعاتنا الحالية قادرة على مواكبة حجم الفرص التي نبحث عنها وهل البيئة الضريبية والاستثمارية في الاردن تمنح المستثمر ما يكفي من الوضوح والاستقرار والمرونة وهل الاجراءات الحكومية قادرة على التعامل مع المستثمر بسرعة وكفاءة ام ان البيروقراطية ستبقى عائقا امام ما نحاول بناءه
نحن بحاجة الى مراجعة حقيقية لعدد من التشريعات وعلى رأسها التشريعات الضريبية والاستثمارية وليس بالضرورة ان تكون المراجعة باتجاه تقديم امتيازات غير محسوبة للمستثمر وانما باتجاه بناء بيئة واضحة ومستقرة وعادلة وقادرة على المنافسة اقليميا
المستثمر اليوم لا يبحث فقط عن الاعفاءات والحوافز بل يبحث عن دولة يعرف فيها مسبقا ما هي حقوقه وما هي التزاماته وكم يحتاج من الوقت لانجاز معاملته وما هي الجهة التي يرجع اليها وهل يستطيع الحصول على قرار واضح دون ان ينتقل بين مؤسسة واخرى ودائرة واخرى
وهنا نصل الى المشكلة الاكبر وهي البيروقراطية
لا يمكن ان نتحدث عن استقطاب استثمارات بمليارات الدولارات بينما يحتاج المستثمر الى وقت طويل لانجاز اجراءات كان يفترض ان تنجز خلال ايام ولا يمكن ان نطلب من المستثمر ان يغامر بامواله في بيئة يكون فيها القرار الاداري بطيئا او الاجراءات متشعبة او المسؤوليات موزعة بين اكثر من جهة
اجتثاث البيروقراطية لم يعد ترفا اداريا بل اصبح ضرورة اقتصادية
نحن بحاجة الى مؤسسات تفكر بعقلية المستثمر لا بعقلية المعاملة ونحتاج الى موظف يرى ان دوره تسهيل الاستثمار وحماية المصلحة العامة في الوقت ذاته وليس تحويل كل اجراء الى سلسلة جديدة من الطلبات والموافقات
ما جرى في الصين يجب ان يكون بداية لمرحلة جديدة وليس نهاية حدث سياسي او اقتصادي
فالعمل الحقيقي يبدأ عندما يعود الوفد وتبدأ الوزارات والمؤسسات المعنية بفتح الاتفاقيات بندا بندا وتسأل ماذا نحتاج حتى ننفذها وما هي التشريعات التي تعيق تنفيذها وما هي الاجراءات التي يجب الغاؤها وما هي الانظمة التي تحتاج الى تعديل وما هي المؤسسات التي يجب ان تعيد ترتيب آليات عملها
لقد جرى تجهيز الامر خارجيا ولكن يبقى السؤال هل التقطت مؤسساتنا الرسالة داخليا
نجاح زيارة جلالة الملك لا يقاس بعدد الاتفاقيات التي وقعت فقط بل بقدرتنا على تحويل تلك الاتفاقيات الى مشاريع قائمة واستثمارات حقيقية وفرص عمل ونمو اقتصادي
الفرصة جاءت من الخارج ولكن علينا ان نكون جاهزين لها في الداخل
وهنا تكمن المسؤولية الحقيقية على الحكومة ومؤسسات الدولة والسلطة التشريعية وكل جهة لها علاقة بالاستثمار والاقتصاد
لا نريد ان نستقبل المستثمر بالورود ثم نضعه امام جدار من الاجراءات
نريد ان يجد دولة واضحة وقانونا مستقرا ومؤسسات سريعة وقرارا اداريا مرنا وبيئة استثمارية قادرة على المنافسة
فالاتفاقيات تفتح الابواب ولكن المؤسسات هي التي تحدد ما اذا كنا سندخل منها ام سنتركها مفتوحة دون ان نستفيد منها
السؤال لم يعد ماذا انجزنا في الخارج
السؤال الحقيقي ماذا سنفعل في الداخل




