شريط الأخبار
العين المجالي: إيران تسعى لجر دول المنطقة إلى الحرب واستخدامها أداة ضغط على واشنطن مناظرات الدوحة تنظم جلسة "لقاء مفتوح" في تورونتو حول كرة القدم والمال والانتماء الجماهيري أيرون ماونتن توسّع نطاق حضورها في الشرق الأوسط من خلال شراكة مع بنك التنمية الاجتماعية ركود الصفراء.. الأسباب والأعراض والعلاج عبدالعاطي للصفدي .. مصر مستعدة لتسهيل نقل جثامين الأردنيين ورعاية مصابي حادث سيناء موقف مع السلبية ... المصري يهنئ الحراسيس بتعيينه رئيسًا لهيئة الأركان المشتركة: ثقة ملكية برجال الجيش العربي وفرسان الوطن الصفدي و فيدان يبحثان التطورات في المنطقة مذكرة تفاهم بين شركة جيم و جامعة الحسين التقنية نتنياهو: سنسقط النظام الإيراني .. جميع أجهزتنا تعمل من أجل ذلك ترامب: مستعدون لشن هجوم آخر على إيران الحنيطي يستقبل المهنئين بترفيعه إلى رتبة فريق الخميس القيادة العامة تنشر السيرة الذاتية لرئيس هيئة الأركان المشتركة الجديد الرئيس الأمريكي يقترح تغيير اسم مضيق هرمز إلى "مضيق ترامب" 26 اقتحامًا للأقصى ومنع الأذان 155 وقتًا بالإبراهيمي خلال آب "السياحة النيابية" تدعو إلى تحويل مادبا إلى إقليم سياحي تنموي متكامل الجامعة العربية تدين الاعتداءات الإيرانية على الأردن والبحرين والكويت المعايطة يشارك في الاجتماع الانتربول التاسع لقادة الشرطة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 26 اقتحامًا للأقصى ومنع الأذان 155 وقتًا بالإبراهيمي خلال آب إيرلندا: على الاتحاد الأوروبي الرد جماعيا على مستوطنات إسرائيل غير القانونية

الدكتور الأصفر يكتب: جاهات_الخطوبة

الدكتور  الأصفر  يكتب: جاهات_الخطوبة
بقلم الدكتور عودة حامد الاصفر بني عطية


المقال الأول من سلسلة: «الجاهة العشائرية في الأردن بين أصالة العرف وتحولات المظاهر الاجتماعية»
الجاهة في الأردن: حين كان للطلب معنى وللقهوة موقف .

من أجمل ما ورثه المجتمع الأردني من عاداته وتقاليده تلك الجاهة التي كانت تذهب إلى أهل الفتاة طلبًا ليدها، حاملةً معها وجوه القوم وشيوخهم ووجهاءهم، لا طلبًا للمظاهر، وإنما إكرامًا لأهل الفتاة، وإظهارًا لقيمة المصاهرة ومكانتها.

فالجاهة في أصلها لم تكن تجمعًا احتفاليًا كبيرًا، ولا مناسبة للتفاخر بعدد السيارات، ولا مسرحًا لاستعراض الوجاهة الاجتماعية، وإنما كانت تحمل معنى أعمق من ذلك كله.

كانت الجاهة وسيلة اجتماعية لإتمام أمر الزواج في إطار من الاحترام والقبول والكرامة.

ومن يتأمل ما وثقته وزارة الثقافة الأردنية ضمن مشروع التراث الثقافي غير المادي، يجد أن الجاهة كانت في صورها التقليدية تبدأ بعد أن يكون هناك توجه حقيقي إلى الزواج، فيأتي أهل الشاب ومعهم عدد من الوجهاء إلى بيت أهل الفتاة، ويُستقبلون بالقهوة العربية، ثم يوضع فنجان القهوة أمام كبير الجاهة، فلا يشربه حتى يُجاب عن الطلب.

وكان كبير الجاهة يقول، بعبارات تختلف من منطقة إلى أخرى، ما معناه:

جئناكم طالبين القرب والنسب، ونطلب ابنتكم لابننا على سنة الله ورسوله.

فإذا صدر القبول، قيل لهم:

اشربوا قهوتكم.

عندها يشرب كبير الجاهة القهوة، ثم تُدار على بقية الحاضرين، وتُعلن الموافقة، وقد تُقرأ الفاتحة، ثم يُتفق على بقية شؤون الزواج من المهر وموعد العقد والزفاف وغير ذلك.

وهنا تكمن دلالة مهمة جدًا.

فالقهوة لم تكن مجرد ضيافة.

كان لفنجان القهوة في الجاهة معنى اجتماعي ورمزي ، إذ كان الامتناع عن شربه يعني أن الطلب لم يُجب عنه بعد، بينما كان شربه إعلانًا عن القبول.

وهكذا كانت الجاهة تحمل في داخلها لغة اجتماعية متكاملة:
الطلب، ثم الانتظار، ثم الجواب، ثم القبول.

وكان حضور الوجهاء له دلالة أيضًا ، فالجاهة لم تكن مجرد عدد من الرجال يذهبون مع العريس، وإنما كان اختيار من يتقدمها جزءًا من معنى الجاهة نفسها.

يُختار من له قدر ومكانة، ومن يحظى بالاحترام، ومن يستطيع أن يتحدث باسم أهل الشاب، ويطلب لهم القرب والنسب.

وهذا المعنى تؤكده روايات التراث الشفهي التي وثقتها وزارة الثقافة الأردنية، ففي بعض المناطق كان كبير الجاهة من شيوخ القبيلة أو وجهائها، وكان يتولى طلب الفتاة رسميًا، ثم يأتي جواب أهلها بالقبول أو الرفض.

بل إن بعض الروايات الشعبية القديمة تكشف لنا أن الجاهة كانت في حقيقتها موقفًا اجتماعيًا فيه قدر من الهيبة والمسؤولية.

فالذين يذهبون فيها لا يذهبون ليقال: «كانت جاهتنا أكبر من جاهة فلان»، وإنما يذهبون لأنهم يحملون طلبًا، ويأملون في أن يعودوا بالقبول.

وهنا أجد من الضروري أن نفرّق بين الجاهة باعتبارها عرفًا اجتماعيًا أصيلًا، وبين ما أضيف إليها في مراحل لاحقة من مظاهر وتكاليف وأشكال من التفاخر.

فالعرف ليس مقدسًا لمجرد أنه قديم، كما أن كل ما استحدثه الناس ليس مرفوضًا لمجرد أنه جديد.

والمعيار الحقيقي هو:
ما الغاية التي من أجلها نشأ العرف؟ وهل ما زالت هذه الغاية قائمة؟ وهل بقيت الوسيلة محافظة على معناها، أم تحولت إلى غاية في ذاتها؟

وهنا تبدأ القضية التي تستحق منا التوقف والتأمل.

فقد كانت الجاهة في صورتها التقليدية تأتي لتطلب الفتاة، وكان جواب أهلها هو الذي يحدد مسار الأمر.

أما اليوم، وفي كثير من الحالات، فقد أصبح الأمر مختلفًا.

فقد يتعارف الشاب والفتاة، وتتم الموافقة بين الطرفين، ثم يتحدث الأهل ويتفقون على معظم تفاصيل الزواج، وقد يتم الاتفاق على المهر والذهب والأثاث وموعد العقد، بل قد يكون عقد الزواج نفسه قد تم بالفعل، ثم تأتي الجاهة بعد ذلك.

وهنا يحق لنا أن نسأل، لا اعتراضًا على الجاهة ولا انتقاصًا من مكانتها:

إذا كان الزواج قد تم الاتفاق عليه، بل إذا كان عقد الزواج قد كُتب، فما الذي بقي للجاهة من وظيفتها الأصلية؟

هل بقيت «جاهة طلب» فعلًا؟

أم تحولت من وسيلة لإتمام الطلب إلى مناسبة اجتماعية لإعلان زواج تم الاتفاق عليه مسبقًا؟

إن وزارة الثقافة الأردنية نفسها توثق هذه التحولات ، ففي إحدى المواد الموثقة عن الجاهة يرد بوضوح أن الأمور في بعض الحالات أصبحت متفقًا عليها قبل حضور الجاهة، وأن الجاهة أصبحت شكلية.

وهذا التحول ليس بالضرورة مذمومًا في ذاته ، فقد تتغير العادات بتغير الأزمنة، وقد تبقى بعض المظاهر الاجتماعية حتى بعد تغير وظيفتها الأصلية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية، ويتحول المعنى إلى مظهر، وتصبح قيمة الجاهة تقاس بعدد من حضر فيها، وعدد السيارات التي تحركت معها، وحجم الولائم، وما أنفق عليها من أموال.

عندها لا يعود السؤال:
كيف نحافظ على الجاهة؟

بل يصبح السؤال الأهم:

كيف نحافظ على روح الجاهة دون أن نحملها ما لم تكن تعرفه من تكاليف ومظاهر؟

إن الدفاع عن العادات الجميلة لا يكون بتجميدها عند صورتها القديمة، ولا يكون كذلك بإطلاق يد المبالغة فيها.

وإنما يكون بفهم حكمتها الاجتماعية، ثم المحافظة على هذه الحكمة بما يناسب زماننا.

فالجاهة الجميلة هي التي تحفظ لأهل الفتاة مكانتهم، ولأهل الشاب كرامتهم، وللوجهاء دورهم، وللمناسبة معناها، دون أن تتحول إلى عبء مالي أو منافسة اجتماعية أو مناسبة للتفاخر.

ولذلك فإن نقد بعض مظاهر الجاهات اليوم ليس نقدًا للعشيرة، ولا للكرم، ولا للوجاهة، ولا للعادات الأردنية الأصيلة.

بل هو، في الحقيقة، محاولة للتمييز بين:

العادة التي تحفظ معناها،
والعادة التي فقدت معناها وبقي شكلها.

وبين:

الكرم الذي يرفع قدر صاحبه،
والإسراف الذي يحمّله فوق طاقته.

وبين:

الجاهة التي تجمع الناس على المحبة والمصاهرة،
والجاهة التي تتحول إلى سباق في عدد المدعوين وحجم المظاهر.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه عاداتنا أن نحترمها بما يكفي لنراجعها.

فليس كل قديم صالحًا لمجرد أنه قديم، وليس كل جديد مرفوضًا لمجرد أنه جديد.

والعرف الاجتماعي الحي هو الذي يستطيع أن يحافظ على جوهره، وأن يتخلص من المبالغة التي تراكمت حوله.

وفي المقال القادم سنتوقف عند مسألة أصبحت تثير كثيرًا من التساؤلات:

ماذا يحدث عندما تُقام الجاهة بعد أن يكون الخاطبان قد اتفقا، بل وبعد أن يكون عقد الزواج قد كُتب؟

هل تبقى الجاهة حينها «طلبًا» بالمعنى الذي عرفه الآباء والأجداد؟

أم أنها أصبحت مناسبة لإعلان أمرٍ قد تم وانتهى؟

وللحديث بقية...
وكتبه د. عودة بن حامد الأصفر ابو فيصل
٢٠٢٦/٩/٢