شريط الأخبار
الملك يغادر إلى النرويج للمشاركة في مراسم جنازة الملك هارالد الخامس الملك يستقبل رئيس مجلس الشورى في سلطنة عُمان ولي العهد يؤكد أهمية العمل على تطوير تطبيق سند وإطلاق "سند للأعمال" وزير الثقافة يلتقي السفر الجزائري في عمّان إصابة 73 شخصا بهجمات حوثية على السعودية.. والتحالف يتوعد بالردع محافظة: المرحلة الثانوية 3 سنوات ولا تغيير على نظام الامتحان العام للتوجيهي أزمة مضيق هرمز مستمرة .. وإيران تهدد أميركا بـ"حرب اقتصادية" الأردن يدين افتتاح سفارة جمهورية ناورو في القدس النائب طهبوب تسأل عن "فرح": فزلكة ام فعالية؟ الخلايلة: استثناء تعيينات حراس المسجد الأقصى من هيئة الخدمة كنعان: العدوان على غزة شاهد على جريمة الاحتلال ضد الإنسان والتعليم البرلمان العربي يدين اعتداءات ميليشيا الحوثي ضد السعودية تعاون سياحي أردني فلسطيني لتعزيز الشراكات وتبادل الخبرات مجموعة الحوراني وأمنية تُطوّران شراكة ممتدة منذ 2010 لدعم التحول الرقمي الصبيحي لأصحاب العمل: "شغّلوهم ولا تشملوهم" إنجاز دولي جديد لجامعة عمّان الأهلية في مجال البصريات وصحة العيون مندوبًا عن الرواشدة ... العياصرة يرعى انطلاق فعاليات ملتقى الشارقة للسرد في دورته الثانية والعشرين بالمكتبة الوطنية ( صور ) أديداس تعتذر... عميرة هاس: إسرائيل تهيئ لتهجير جماعي للفلسطينيين.. و«محوهم» يتحول إلى مسار عملي حين يكتب الجوع شهادة إدانة بين قسوة القانون وعدالة الرحمة في قضية علبتي التونة

الملكة إليزابيث الثانية في أيامها الأخيرة .. كيف اختارت أن يتذكرها العالم؟

الملكة إليزابيث الثانية في أيامها الأخيرة .. كيف اختارت أن يتذكرها العالم؟

القلعة نيوز - ربما لم تستطع إليزابيث الثانية أن تختار كيف ستنتهي حياتها، لكنها استطاعت، حتى اللحظة الأخيرة تقريبًا، أن تختار كيف يريد العالم أن يتذكرها. وفي الذكرى الرابعة لرحيل الملكة، تكشف كتب السيرة الذاتية وروايات شهود العيان عن صورة أخرى للراحلة إليزابيث الثانية في أيامها الأخيرة، حين بدأ المرض والشيخوخة يفرضان إيقاعهما على حياتها، دون أن تسمح لهما بتغيير صورتها الأيقونية في وجدان شعبها ومحبيها حول العالم. خلف الابتسامات الرسمية والمصافحات التي التقطتها الكاميرات، كانت هناك امرأة يفرض جسدها عليها قيودًا جديدة يومًا بعد يوم، بينما تحاول أن تظل وفية للصورة التي صنعتها طوال سبعين عامًا على العرش.


لم تبدأ قصة النهاية في قلعة بالمورال حيث توفت الملكة، ولم يكن التراجع الذي ظهر في أيام الملكة إليزابيث الثانية Queen Elisabeth II الأخيرة مفاجئًا كما قد توحي الصور التي بقيت من سبتمبر 2022. ففي خريف عام 2021، بدأت العلامات الأكثر وضوحًا على تغير حالتها الجسدية تظهر أمام الجمهور، عندما شوهدت الملكة وهي تستخدم عصا للمشي خلال مناسبة في كنيسة وستمنستر، في مشهد نادر لامرأة اعتاد العالم أن يراها تتحرك بخفة وتؤدي جدولًا طويلًا من الالتزامات الرسمية دون أن يبدو عليها عناء السنوات.

وبعد فترة قصيرة، اضطرت إليزابيث إلى إلغاء زيارة رسمية كانت مقررة إلى أيرلندا الشمالية بناءً على نصيحة أطبائها، ثم قضت ليلة في المستشفى لإجراء فحوص وصفت رسميًا بأنها «أولية». وكانت تلك أول إقامة لها في المستشفى طوال الليل منذ عام 2013، قبل أن تعود إلى قلعة وندسور وتستأنف ما وصفه القصر آنذاك بمهام خفيفة. لم يعلن القصر تشخيصًا محددًا، وبقيت صحة الملكة بعيدة عن التفاصيل التي قد تحولها إلى موضوع يومي في الإعلام، لكن صورها بدأت تحمل إشارات جديدة يصعب تجاهلها؛ عصا في يدها، خطوات أبطأ، وجدول من الارتباطات الرسمية أصبح مرتبطًا بقدرتها على الحركة من يوم إلى آخر.

ومع مرور الأشهر، أصبح تعبير «مشكلات متقطعة في الحركة» هو الوصف الذي يستخدمه قصر باكنغهام، إلى أن جاءت لحظة أكثر وضوحًا في مايو 2022، عندما اضطرت الملكة إلى التغيب عن افتتاح الدورة الجديدة من أعمال البرلمان البريطاني، وهي مناسبة دستورية ظلت تحرص على حضورها طوال عقود، وتولى الأمير تشارلز، ولي عهدها آنذاك، قراءة خطاب الملكة نيابة عنها.

وكان غيابها عن تلك المناسبة إشارة واضحة إلى أن القيود الجسدية أصبحت تدخل في حسابات عملها الرسمي، لكن إليزابيث لم تتعامل معه باعتباره إعلانًا عن انسحابها من الحياة العامة؛ وبدأت ببساطة تختار ما تستطيع المشاركة فيه، والمدة التي يمكنها تحملها، والظهور الذي تراه ضروريًا، وكأنها تعيد ترتيب المسافة بين ما يطلبه العرش وما يسمح به جسدها.

بعد أسابيع قليلة، جاء الاحتفال باليوبيل البلاتينيلتتويجها على العرش، ليضع الملكة إليزابيث أمام واحدة من أهم المناسبات في تاريخها الشخصي وتاريخالملكية البريطانية؛ سبعون عامًا كاملة على العرش، وهو رقم لم يبلغه أي ملك بريطاني قبلها. كانت الاحتفالات مناسبة يصعب أن تغيب عنها إليزابيث بالكامل، لكنها في الوقت نفسه كانت تعرف أن جسدها لم يعد يسمح لها بالظهور في كل مناسبة كما فعلت طوال العقود السابقة، ولذلك أصبح اختيار اللحظات جزءًا من حضورها نفسه.

غابت الملكة عن بعض الفعاليات، ومن بينها قداس الشكر في كاتدرائية القديس بولس، لكنها ظهرت في واحدة من أكثر الصور دلالة على شرفةقصر باكنغهام، مستندة إلى عصاها وإلى جانبها أفراد من العائلة المالكة، أمام الحشود التي جاءت للاحتفال بسبعة عقود من حكمها. لم يكن المشهد مجرد ظهور ملكي عابر، فقد بدا وكأن إليزابيث تعرف أن الجمهور يريد أن يراها في هذه المناسبة التاريخية، وأن وجودها، حتى لو كان لفترة قصيرة، يحمل معنى يتجاوز قدرتها على المشاركة في برنامج الاحتفالات كاملًا.

وفي ختام اليوبيل، وجهت الملكة رسالة إلى البريطانيين أقرت فيها بأنها لم تتمكن من حضور كل المناسبات شخصيًا، لكنها أكدت أن التزامها بخدمتهم لا يزال قائمًا «على أفضل ما تستطيع». كانت العبارة بسيطة، لكنها حملت اعترافًا هادئًا بأن قدرتها الجسدية تغيرت، مع إصرار واضح على أن هذا التغير لن يكون هو التعريف الوحيد لمرحلتها الأخيرة.

بعد انتهاء الاحتفالات، توجهت إليزابيث الثانية إلى قلعة بالمورال لقضاء الصيف. كان المكان بالنسبة إليها أكثر من مقر ملكي موسمي؛ فقد ارتبط منذ عقود بحياتها الخاصة، وبالعائلة والطبيعة والخيول والكلاب، وبالأيام التي تستطيع فيها الابتعاد عن صخب لندن والمراسم الرسمية. وهناك، بعيدًا عن العاصمة، أمضت الملكة الأسابيع الأخيرة من حياتها، في المكان الذي كان يحمل بالنسبة إليها ذكريات شخصية لا تشبه أجواء القصور الرسمية.

في صباح الثلاثاء السادس من سبتمبر 2022، وصلبوريس جونسونإلى بالمورال لتقديم استقالته رسميًا إلى الملكة من منصبرئيس الوزراء، وبعده بنحو ساعة وصلتليز تراسإلى القلعة لتكلفها إليزابيث رسميًا بتشكيل الحكومة الجديدة. أصبحت تراس بذلك رئيسة الوزراء الخامسة عشرة والأخيرة في عهد الملكة، وكان انتقال السلطة في بالمورال حدثًا استثنائيًا خلال حكم إليزابيث الثانية، بعدما حالت مشكلات الحركة دون عودتها إلى لندن لإجراء المراسم المعتادة.

كانت هناك سابقة ملكية أقدم تعود إلىالملكة فيكتوريا، التي استدعت اللورد سالزبري إلى بالمورال عام 1885 وكلفته بتشكيل حكومة، وإن كانت المراسم الرسمية لقبول المنصب قد اكتملت لاحقًا في وندسور. أما بالنسبة إلى إليزابيث الثانية، فكان المشهد يحمل خصوصية مختلفة؛ ملكة في السادسة والتسعين من عمرها، بعد سبعين عامًا على العرش، تستقبل رئيسة الحكومة الجديدة في منزلها الإسكتلندي بدلًا من قصر باكنغهام، لأن جسدها لم يعد يسمح لها بالسفر إلى لندن.

في تلك الغرفة الهادئة بمقاطعة أبردينشاير، بدت الملكة بملابسها الريفية المألوفة؛ تنورة من الترتان وسترة صوفية، متكئة على عصاها بيدها اليمنى، ومدت يدها لتحيي ليز تراس وتبتسم لها. التقطت الكاميرات المصافحة، وظهرت إليزابيث في الصورة كما عرفها الجمهور طوال سنوات طويلة: هادئة، مرتبة، ومدركة تمامًا لما تقتضيه اللحظة، رغم أن آثار العمر والتعب كانت واضحة على جسدها.

قالت تراس لاحقًا، في رواية نقلهاالمؤرخ الملكي روبرت هاردمان، إن الملكة أصرت على الوقوف لتحيتها، وإنها بدت متعبة جسديًا لكنها ظلت يقظة وحاضرة خلال اللقاء الذي استمر نحو عشرين دقيقة. كانت أمامها مهمة دستورية محددة، وكان عليها أن تستقبل رئيسة حكومة جديدة وتمنحها التكليف رسميًا، كما فعلت مع رؤساء الحكومات الأربعة عشر الذين سبقوها.

وفي الأشهر الأخيرة، تحدثت تقارير عن استخدام الملكة كرسيًا متحركًا أحيانًا في حياتها الخاصة بعيدًا عن الكاميرات، فيما أشار روبرت هاردمان إلى أن مشكلتها الأساسية كانت مرتبطة بالحركة، وليس بما يشير إلى تراجع في قدراتها العقلية. وتنسجم هذه الروايات مع ما ظهر في بالمورال؛ كانت إليزابيث تستعين بما يساعدها على الحركة، لكنها ظلت شديدة الحرص على الطريقة التي تظهر بها أمام الناس.

أما بوريس جونسون، فقد قدم لاحقًا في مذكراته «Unleashed» وصفًا أكثر قربًا لما رآه بنفسه في ذلك الصباح، فتحدث عن شحوب أكبر وانحناء أوضح في قامتها، وعن كدمات داكنة في يديها ومعصميها قال إنها ربما كانت مرتبطة بالتنقيط أو الحقن، مؤكدًا في الوقت نفسه أن ذهنها ظل حاضرًا وأن ابتسامتها لم تتغير. حملت هذه التفاصيل دهشة السياسي وانطباعه الإنساني عن لقاء أخير، وإن ظلت بعيدة عن الأوراق الطبية المعتمدة.

بعد انتهاء اللقاء، انصرفت الكاميرات وانتهت آخر مهمة دستورية في حياة إليزابيث الثانية، دون أن يعرف العالم أن تلك الصورة التي التقطت في غرفة بالمورال ستصبح بعد ساعات قليلة الصورة الأخيرة للملكة.

بعد رحيلإليزابيث الثانية، ظهرت روايات من أشخاص كانت لهم صلات وثيقة بالمؤسسة الملكية، وأعادت تلك الشهادات فتح الأسئلة حول حالتها الصحية في أشهرها الأخيرة. كتب جايلز براندرث في سيرته «Elizabeth: An Intimate Portrait» أنه سمع بأن الملكة كانت تعاني من شكل من أشكالالمايلوما، وربط ذلك بالتعب وفقدان الوزن ومشكلات الحركة. وفي مذكراته، قال بوريس جونسون إنه كان يعرف منذ أكثر من عام أن الملكة كانت تعاني، بحسب ما علمه، من شكل من أشكالسرطان العظام، وإن الأطباء كانوا يخشون تدهور حالتها بصورة مفاجئة.

أعطت هذه الروايات لمحة عما ربما كان معروفًا في دوائرها الخاصة، لكنها لم تتحول إلى تشخيص رسمي معلن. أما الوثيقة الرسمية التي أعقبت الوفاة، فقد سجلت «الشيخوخة» سببًا للوفاة، وهي الصيغة التي بقيت في السجل العام. ولذلك تظل الروايات التي ظهرت في المذكرات وكتب السيرة شهادات منسوبة إلى أصحابها، تكشف ما عرفوه أو سمعوه عن حالتها، بينما يبقى السجل الرسمي أكثر تحفظًا في تحديد سبب الوفاة.

والأهم في قصة إليزابيث الأخيرة أن تراجع صحتها لم يكن بحاجة إلى اسم مرض محدد حتى يصبح واضحًا. خلال عامها الأخير، شاهد الجمهور عصا المشي، والغيابات الرسمية، وتقليص جدول العمل، ثم رأى في بالمورال ملكة تحتاج إلى دعم جسدي كي تتحرك، لكنها لا تزال حريصة على أداء ما تراه جزءًا من مسؤوليتها. كان الجسد يتغير أمام الجميع، بينما ظلت صورتها العامة تخضع لإرادتها واختياراتها أكثر مما تخضع لتطور حالتها الصحية.

في اليوم التالي للقاء ليز تراس، قبلت الملكة نصيحة أطبائها بالراحة، وأعلنقصر باكنغهامإلغاء اجتماع افتراضي لمجلس الملكة الخاص كان مقررًا في ذلك المساء. وقال القصر إن الملكة أمضت «يومًا كاملًا» في أداء مهامها في السادس من سبتمبر، ولذلك بدا قرار الراحة في ظاهره امتدادًا للجدول المخفف الذي عرفه الجمهور خلال الأشهر السابقة، خصوصًا بعد أن أصبحت صحتها وقدرتها على الحركة عاملين حاضرين في تنظيم برنامجها الرسمي.

لكن الروايات التي ظهرت بعد وفاتها كشفت أن الساعات التالية كانت مختلفة. أفادروبرت هاردمانبأن الملكة بدت في مساء السادس من سبتمبر أكثر نشاطًا مما قد توحي به حالتها الجسدية، قبل أن تصعد إلى غرفتها لتتناول العشاء بمفردها، ثم أمضت في اليوم التالي وقتًا أطول في السرير، فيما بدأت دائرة العائلة والمقربين تدرك أن الوضع الصحي يتجه إلى مرحلة أكثر خطورة.

وبحسب روايات هاردمان، أُبلغالأمير تشارلزبضرورة التوجه سريعًا إلى والدته، بينما كانت هناك في الخلفية مناقشات سابقة حول كيفية التعامل مع وضع دستوري تصبح فيه الملكة غير قادرة على ممارسة مهامها. لم تصل الأمور إلى مرحلة إعلان وصاية أو تعيين وصي، لكن مجرد مناقشة هذه الاحتمالات يعكس مقدار القلق الذي كان يحيط بالأيام الأخيرة، في وقت كانت إليزابيث لا تزال في بالمورال، المكان الذي اختارت أن تقضي فيه صيفها الأخير وسط العائلة.

في صباح الخميس الثامن من سبتمبر، أصدر قصر باكنغهام بيانًا مختلفًا في لهجته عن البيانات الصحية السابقة، معلنًا أن أطباء الملكة أصبحوا «قلقين بشأن صحتها» وأوصوا ببقائها تحت الإشراف الطبي، مضيفين أنها كانت «مرتاحة» في بالمورال.

كان البيان قصيرًا، لكنه حمل هذه المرة دلالة واضحة على أن الوضع تجاوز نطاق التعب أو الراحة المؤقتة. تحرك أفراد العائلة المالكة نحو بالمورال، وبدأ العالم ينتظر أي خبر جديد من القصر، بينما كانت الأميرة آن والأميرتشارلزفي اسكتلندا بالفعل، وتوجه الأمير وليام والأمير أندرو والأمير إدوارد وصوفي جوًا إلى أبردين.

كانت الملكة في بالمورال، بعيدًا عن الكاميرات، فيما كانت عائلتها تحاول الوصول إليها في أسرع وقت ممكن. وفي الثالثة وعشر دقائق من بعد ظهر ذلك اليوم، توفيت إليزابيث الثانية عن عمر 96 عامًا في قلعة بالمورال. وسجلت شهادة الوفاة الرسمية «الشيخوخة» سببًا للوفاة، قبل أن يعلن القصر الخبر للعامة بعد ساعات، لتنتهي سبعة عقود من حكم أطول ملوك بريطانيا بقاءً على العرش.

وربما كان أكثر ما ظهر لاحقًا عن الساعات الأخيرة لإليزابيث الثانية أنها جاءت هادئة على نحو يتناقض مع ضخامة اللحظة التي كان العالم على وشك استقبالها. فقد كشف روبرت هاردمان عن مذكرة كتبها السير إدوارد يونغ، السكرتير الخاص للملكة، وحُفظت في الأرشيف الملكي، وصفت النهاية بأنها كانت هادئة جدًا، وأن الملكة رحلت أثناء نومها ومن دون ألم.

وبعد أيام، عبّرتالأميرة آنفي بيان رسمي عن امتنانها لأنها كانت قريبة من والدتها خلال آخر 24 ساعة من حياتها، ووصفت مرافقتها في رحلتها الأخيرة بأنها شرف وامتياز. أعادت هذه الشهادة المشهد كله إلى حجمه الإنساني؛ فبعد سبعين عامًا قضتها إليزابيث تحت نظر العالم، بين القصور والمناسبات الرسمية والاحتفالات والزيارات، انتهت حياتها في المكان الذي أحبته، وسط دائرة صغيرة من العائلة والمقربين، بعيدًا عن الحشود والكاميرات.

كانت بالمورال في النهاية المكان الذي احتفظت فيه إليزابيث بمساحة من حياتها الخاصة بعيدًا عن الدور العام الذي لازمها منذ توليها العرش. وفي ذلك الهدوء الأخير، بدت نهاية المرأة التي عاشت واحدة من أكثر الحيوات مراقبة في العالم أقرب إلى الحياة الخاصة التي حرصت طوال عمرها على حمايتها.

وبعد أربع سنوات من رحيل إليزابيث الثانية، تبدو صورة السادس من سبتمبر أكثر وضوحًا مما كانت عليه في ذلك اليوم. لم تكن الملكة في كامل قوتها الجسدية، ولم تكن تخفي حاجتها إلى عصا تساعدها على الحركة، لكنها اختارت في آخر مناسبة دستورية لها أن تستقبل رئيسة الوزراء الجديدة بنفسها، وأن تمنحها التكليف الذي ظل جزءًا من مسؤوليتها حتى أيامها الأخيرة.

في تلك الغرفة الهادئة بالمورال، اجتمع شيء من الماضي كله: ملكة حكمت سبعين عامًا، ورئيسة حكومة بدأت لتوها طريقها، وبلاد لم تكن تعرف أن عهدًا طويلًا يقترب من نهايته. لم تكن إليزابيث الثانية قادرة على مفاوضة الزمن، ولا منع سبعين عامًا من حمل التاج من أن تثقل خطاها في النهاية. لكنها، حتى الأمتار الأخيرة من رحلتها، أصرت على أن تملك قرارها: متى تظهر، وكيف تنسحب، وأي صورة تودع بها عالمها.

وفي السادس من سبتمبر، قبل أن تنغلق الأبواب بثمانٍ وأربعين ساعة، اختصرت كل شيء دون كلام. لم تستسلم للمقعد المريح، بل وقفت، لم تكن تلك الوقفة ادعاءً للقوة ولا إنكارًا للوهن، بل كانت التحية الأخيرة من امرأة أدركت أن الجسد ينسحب، فتمسكت بالواجب حتى لا تنكسر الهيبة. ولهذا حين تُستعاد إليزابيث الثانية في ذكراها، لن تكون صورتها الأهم لامرأة أقعدها المرض، وإنما لملكة اختارت أن تودع التاريخ وهي واقفة على قدميها.

سيدتي