القلعة نيوز
د. يوسف فايز الدلابيح
لم تعد حماية حقوق الإنسان في العصر الرقمي تقتصر على الحقوق والحريات في صورتها التقليدية، بل أصبحت تمتد إلى فضاء رقمي تتداخل فيه التكنولوجيا مع مختلف جوانب الحياة اليومية. فالخصوصية، وحماية البيانات الشخصية، وأمن المعلومات، والوصول إلى الخدمات الرقمية، أصبحت من القضايا التي تفرض نفسها على التشريعات والسياسات العامة الحديثة.
وفي الأردن، يتزايد الاهتمام بالتحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية والاستفادة من التكنولوجيا في تحسين الأداء المؤسسي. ويأتي هذا التوجه في سياق السعي إلى بناء بيئة أكثر قدرة على مواكبة التطورات التقنية، والاستعداد للتغيرات التي تفرضها التقنيات الحديثة والاقتصاد الرقمي.
ولا يمكن النظر إلى التحول الرقمي باعتباره مسألة تقنية بحتة؛ فهو يطرح في الوقت ذاته أسئلة قانونية وحقوقية تتعلق بكيفية استخدام التكنولوجيا، ومدى حماية البيانات والخصوصية، وضمان المساواة في الوصول إلى الخدمات، وتحقيق التوازن بين متطلبات التطور التقني وحماية الحقوق والحريات.
وتأتي حماية البيانات الشخصية في مقدمة هذه المسائل. فكلما توسع استخدام المنصات والخدمات الرقمية، ازدادت الحاجة إلى قواعد قانونية واضحة تنظم جمع البيانات ومعالجتها وحمايتها، وتحدد المسؤوليات المرتبطة بها. وفي الأردن، يمثل التشريع الخاص بحماية البيانات الشخصية خطوة مهمة في تنظيم هذا المجال وتعزيز الضمانات المتعلقة بالخصوصية.
ويتقاطع ذلك مع الحماية المقررة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومن أبرزها المادة (17) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر التدخل التعسفي أو غير القانوني في الحياة الخاصة والمراسلات وغيرها من جوانب الخصوصية. وتكتسب هذه الحماية أهمية متزايدة في البيئة الرقمية التي أصبحت فيها البيانات جزءًا أساسيًا من التعاملات اليومية.
وفي المقابل، يمكن للتحول الرقمي أن يسهم في تطوير علاقة المواطن بالمؤسسات العامة من خلال تبسيط الإجراءات، وتقليل المعاملات الورقية، وتسريع إنجاز الخدمات، وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما يمكن للتقنيات الرقمية أن تعزز الكفاءة والشفافية، متى اقترنت بقواعد واضحة للمساءلة وحماية البيانات.
غير أن نجاح التحول الرقمي لا يقاس بعدد المنصات والتطبيقات فحسب، وإنما بمدى سهولة استخدامها وإتاحتها لمختلف فئات المجتمع. فالتكنولوجيا ينبغي أن تقلل الفجوة بين المواطن والمؤسسة، لا أن تخلق فجوة جديدة أمام من يواجهون صعوبات في الوصول إلى الخدمات أو استخدامها.
ومن زاوية أوسع، أصبح مفهوم السيادة في الدولة الحديثة يشمل، إلى جانب الإقليم والمجال الجغرافي، حماية البنية الرقمية والبيانات والأنظمة التي تعتمد عليها المؤسسات والمرافق المختلفة. ولذلك أصبحت الحوكمة الرقمية وحماية البيانات والأمن السيبراني عناصر مترابطة في حماية المصلحة العامة وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة المخاطر الرقمية.
ومع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، تبرز الحاجة إلى تطوير الأطر التشريعية والمؤسسية بصورة مستمرة، بما يواكب هذه التحولات ويحدد المسؤوليات ويعزز الشفافية ويحمي البيانات والحقوق الأساسية. فالتقدم التقني يحقق قيمته الحقيقية عندما يبقى في خدمة الإنسان، ويُستخدم ضمن إطار يحترم القانون والحقوق والحريات.
كما أن التحول الرقمي يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا في تحقيق أهداف التنمية وتحسين نوعية الخدمات العامة، خصوصًا عندما يوجه نحو رفع الكفاءة وتوسيع فرص الوصول إلى التعليم والخدمات والمعاملات الحكومية والأنشطة الاقتصادية. ومن هنا، فإن البعد الإنساني للتكنولوجيا لا يقل أهمية عن بعدها التقني.
إن بناء مستقبل رقمي أكثر استدامة في الأردن يتطلب تكامل ثلاثة عناصر رئيسية: التكنولوجيا، والتشريع، والإنسان. فالتكنولوجيا توفر الأدوات، والتشريع يضع الضوابط والضمانات، بينما يبقى الإنسان هو الغاية الأساسية من عملية التطوير.
وتبرز أهمية هذا التكامل بصورة أكبر مع انتقال العديد من الخدمات والمعاملات إلى البيئة الرقمية؛ إذ إن الثقة في الخدمات الإلكترونية ترتبط بدرجة كبيرة بسلامة الأنظمة، وحماية البيانات، ووضوح الإجراءات، وإمكانية المساءلة عند حدوث أي خلل أو تجاوز.
وفي المحصلة، فإن مأسسة الحقوق الرقمية لا تعني بالضرورة إنشاء منظومة منفصلة عن حقوق الإنسان، بقدر ما تعني تطوير أدوات الحماية القانونية القائمة لتواكب البيئة الرقمية الجديدة. فالخصوصية والكرامة والمساواة والحق في الوصول إلى الخدمات تظل مبادئ أساسية، لكن وسائل حمايتها تتطور مع تطور التكنولوجيا.
ومن هنا، فإن مستقبل التحول الرقمي في الأردن سيكون أكثر قوة واستدامة كلما سار التطور التقني بالتوازي مع التطور التشريعي والحقوقي، وأصبحت حماية البيانات والخصوصية والشفافية جزءًا أصيلًا من تصميم الخدمات الرقمية. وعندها تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة للتحديث إلى وسيلة لتعزيز دولة القانون، وتحسين حياة المواطن، وبناء علاقة أكثر كفاءة وثقة بين الإنسان والمؤسسات.




