أ.د. أمجد الفاهوم
من أكثر الأخطاء الإدارية شيوعاً أن تتحول كفاءة الموظف والتزامه، من حيث لا تقصد الإدارة، إلى عبء عليه. فكلما أثبت شخص أنه سريع الإنجاز، دقيق في عمله، حاضر عند الحاجة، وقادر على تحمل المسؤولية، ازدادت المهام التي توكل إليه. وفي المقابل، قد يتعلم الموظف الأقل التزاماً أن التأخر أو الاعتذار المتكرر أو ضعف المبادرة وسائل فعالة لتقليل ما يطلب منه. عندها تصل المؤسسة إلى نتيجة خطيرة: الملتزم يعمل أكثر، وغير الملتزم يرتاح أكثر، وكلاهما يحصل في نهاية الشهر على المعاملة نفسها تقريباً.
هذه ليست مشكلة عدالة وظيفية فقط، بل خلل إداري يؤثر مباشرة في الإنتاجية. فالإنسان الذي ينجز عشر مهام بكفاءة لا ينبغي أن تكون مكافأته الدائمة إضافة خمس مهام أخرى، بينما يظل من ينجز ثلاثاً بعيداً عن المساءلة. مع الوقت، يفهم الموظفون الرسالة: من يُظهر قدرة أكبر سيحصل على عمل أكثر. وهنا تبدأ المؤسسة، دون أن تدرك، بمعاقبة السلوك الذي يفترض أن تشجعه.
في مؤسسة عامة، قد نجد موظفاً يعرف الإجراءات ويتعامل باحترام مع المراجعين وينجز المعاملات بسرعة، فتتحول إليه الملفات المعقدة والمتأخرة لأن الجميع يثق بأنه سينهيها. يبدو الأمر منطقياً في البداية، لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول الموظف الكفؤ إلى حل دائم لضعف الآخرين. الإدارة الناجحة تستفيد من كفاءته، لكنها تسأل في الوقت نفسه لماذا لا يصل الآخرون إلى مستوى قريب منه، وما التدريب أو المساءلة المطلوبة لتحقيق ذلك.
وفي القطاع الخاص تظهر المشكلة بصورة أسرع. قد يعتمد مدير المبيعات باستمرار على أفضل موظف لديه لإنقاذ الصفقات المتعثرة، أو يكلف أفضل مهندس بإصلاح مشكلات المشروعات التي أخفق فيها الآخرون. يحقق ذلك نتائج قصيرة الأجل، لكنه قد يخسر أفضل موظفيه على المدى الأطول. فالموظف المتميز يريد التقدير والتطور والصلاحية، وليس أن يصبح محطة دائمة لاستقبال أخطاء الآخرين.
المهنية هنا مسؤولية مشتركة. الموظف المهني يحترم الوقت، وينجز ما تعهد به، ويحافظ على جودة عمله حتى في غياب الرقابة، ولا يستخدم العلاقات الشخصية لتجاوز النظام. والمدير المهني لا يكافئ القريب منه، ولا يتجاهل المقصر لأنه لا يريد الدخول في مواجهة، ولا يحمّل الملتزمين مسؤولية تعويض ضعف الآخرين. المهنية تفقد معناها عندما تطبق على الموظف ولا تطبق على المسؤول.
وينطبق ذلك على الوقت أيضاً. قد يصل موظف إلى مكتبه في الثامنة تماماً، لكنه يبدأ العمل الفعلي بعد ساعة، بينما يصل آخر في موعده ويبدأ مباشرة بإنجاز أولوياته. تسجيل الحضور يثبت وجود الاثنين، لكنه لا يقيس قيمة ما قدماه. لذلك لا ينبغي اختزال الانضباط في البصمة وساعات الدوام، بل يجب ربطه بالإنجاز والجودة والالتزام بالمواعيد وتحمل المسؤولية.
وفي القطاع العام تحديداً، تصبح المسألة أكثر حساسية لأن تكلفة ضعف الانضباط لا تتحملها المؤسسة وحدها، بل يتحملها المواطن. معاملة يمكن إنجازها في عشر دقائق قد تستغرق أياماً لأن توقيعاً تأخر أو موظفاً غاب ولم يوجد بديل أو لأن الصلاحية محصورة بشخص واحد. المواطن لا يعنيه الهيكل التنظيمي ولا الخلافات الداخلية، بل يعنيه أن يحصل على خدمة محترمة في وقت معلوم.
الأمر نفسه يحدث في الشركات. عندما يعد موظف المبيعات العميل بموعد تسليم دون التأكد من جاهزية الإنتاج، ثم يتأخر التسليم، لا يرى العميل خلافاً بين إدارتين، بل يرى مؤسسة لم تفِ بوعدها. المهنية هنا تبدأ من قاعدة بسيطة: لا تتعهد بما لا تملك القدرة أو الصلاحية لتنفيذه.
ولا يمكن مطالبة الموظفين بالانضباط في إدارة لا تمارسه. المدير الذي يطلب الحضور في التاسعة ثم يصل في العاشرة يضعف قيمة تعليماته بنفسه. والمسؤول الذي يطلب تقريراً عاجلاً ثم لا يقرأه يعلّم فريقه أن الاستعجال شكلي. ومن يطالب بالالتزام بالإجراءات ثم يتجاوزها عندما تتعارض مع مصلحته الشخصية يصنع ثقافة تعرف الأنظمة جيداً لكنها لا تحترمها.
لذلك تحتاج المؤسسات إلى قياس ما تريد تحسينه. بدلاً من الاكتفاء بعدد ساعات الحضور، يمكن قياس زمن إنجاز المعاملة، ونسبة الأعمال المنجزة في موعدها، وعدد الأخطاء، ومستوى رضا المستفيدين، وحجم العمل الذي ينجزه كل فريق. وعندما تظهر الفروق، يجب أن تقابلها مساءلة عادلة للمقصر وتقدير حقيقي للمتميز، سواء بالترقية أو المكافأة أو منح صلاحيات وفرص تطوير أكبر.
المؤسسة لا تفقد موظفها المتميز يوم يقدم استقالته فقط. قد تفقده قبل ذلك بكثير، عندما يتوقف عن المبادرة، ويكتفي بالحد الأدنى، ويقرر أن الاجتهاد لا يغير شيئاً. وهذه خسارة يصعب أن تظهر في تقارير الحضور والانصراف.
المهنية والانضباط لا يحتاجان إلى شعارات كثيرة. يحتاجان إلى إدارة تحترم الوقت، وتحدد المسؤولية، وتقيس الإنجاز، وتواجه التقصير، وتحمي المجتهد من أن يصبح نجاحه سبباً لاستنزافه. وعندما يعرف الموظف أن الالتزام سيقابله تقدير، وأن التقصير لن يتحول إلى امتياز غير معلن، يصبح الانضباط جزءاً طبيعياً من ثقافة المؤسسة.
فالعدالة الإدارية ليست أن نعامل الجميع بالطريقة نفسها مهما اختلف أداؤهم، بل أن يعرف كل شخص أن ما يقدمه للمؤسسة سيظهر في الطريقة التي تقيم بها المؤسسة أداءه وتقدر بها جهده.



