القلعة نيوز- خليل قطيشات - حين تتحول الهوية الوطنية من كلمة تُقال إلى مسؤولية تُمارس، يصبح الانتماء فعلًا يوميًا لا شعارًا عابرًا، ومن هنا جاء اللقاء الثقافي الحواري الذي نظمه منتدى شارع الخضر للثقافة والفنون بالتعاون مع مديرية ثقافة محافظة البلقاء، بعنوان «الهوية الوطنية من الانتماء إلى المشاركة والمسؤولية»، ليضع واحدًا من أكثر الملفات أهمية أمام المثقفين وأبناء المجتمع المحلي في حوار مفتوح اتسم بالعمق والوضوح.
واستضاف اللقاء عطوفة الأستاذ هزاع البراري العجارمة، أمين عام وزارة الثقافة السابق، الذي قدم قراءة واسعة لمفهوم الهوية الوطنية وأبعادها التاريخية والثقافية والاجتماعية، مؤكدًا أن الهوية لا تختزل في الشعارات والرموز، وإنما تتشكل من التاريخ والذاكرة والثقافة والقيم المشتركة، وتظهر حقيقتها في وعي الإنسان بوطنه وسلوكه تجاه مجتمعه واحترامه للآخرين وقدرته على تحويل الانتماء إلى مشاركة ومسؤولية.
وتوقف العجارمة عند محطات من التاريخ والثقافة الأردنية، مشددًا على أن قراءة التاريخ والتراث ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي وسيلة لفهم الحاضر وبناء المستقبل، وأن الأجيال الجديدة بحاجة إلى معرفة واعية بتاريخ وطنها وذاكرته وموروثه الثقافي، بعيدًا عن التعامل مع التاريخ باعتباره روايات منفصلة عن حياة الناس وواقعهم.
وفي صلب الحوار، برزت الثقافة بوصفها إحدى الأدوات الأساسية لبناء الوعي الوطني، بما يضع المؤسسات الثقافية والكتاب والمثقفين والباحثين أمام مسؤولية صناعة المعرفة وفتح مساحات التفكير والحوار، خصوصًا في القضايا التي تمس الشباب والمجتمع والهوية الوطنية.
وأكد العجارمة أن الانتماء الحقيقي لا يقاس بحجم المشاعر وحدها، وإنما بما يترجم على الأرض من احترام للقانون، وحماية للمصلحة العامة، ومشاركة في الحياة المجتمعية، وإحساس بالمسؤولية تجاه الوطن والمكان والإنسان، لافتًا إلى أن لكل فرد دورًا يستطيع أن يؤديه في خدمة مجتمعه وتعزيز تماسكه.
كما تناول اللقاء العلاقة بين الهوية والتنوع، مؤكدًا أن قوة المجتمع تكمن في ثوابته الجامعة وقدرته على احترام الاختلاف الثقافي والفكري والاجتماعي، وتحويل التنوع إلى مساحة للتكامل والحوار بدل أن يكون مدخلًا للانقسام.
وشاركت في اللقاء عطوفة مديرة ثقافة محافظة البلقاء الدكتورة منى السعود، التي أكدت أهمية هذه اللقاءات في إثراء الحراك الثقافي والفكري في المحافظة، مشيرة إلى أن دور المؤسسات الثقافية يتجاوز إقامة الفعاليات إلى صناعة مساحات حقيقية للحوار والتفكير، ودعم المثقفين والمبادرات التي تسهم في تعزيز الوعي والانتماء والمشاركة المجتمعية.
وشهد اللقاء حوارًا مفتوحًا مع الحضور، تناول دور الأسرة والمدرسة والثقافة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في بناء الوعي الوطني، ومسؤولية الشباب في الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الشريك الفاعل في الحياة العامة، وسط مداخلات أكدت أن الهوية الوطنية لا ينبغي أن تبقى مفهومًا نظريًا، بل يجب أن تتحول إلى سلوك يومي يعكس المواطنة واحترام القانون والمسؤولية والثقة بالمجتمع ومؤسساته.
وفي ختام اللقاء، قام رئيس منتدى شارع الخضر للثقافة والفنون السيد صخر الزعبي بتكريم المتحدثين عطوفة الأستاذ هزاع البراري العجارمة وعطوفة الدكتورة منى السعود، كما جرى تكريم الناشطة الاجتماعية الدكتورة وفاء العواملة، تقديرًا لحضورهم ومساهماتهم، فيما أدار الحوار الأستاذ أشرف الشنيكات، وسط أجواء عكست تقديرًا واضحًا للثقافة وأهلها وللدور الذي يمكن أن تؤديه المنتديات الثقافية في فتح الملفات الوطنية بروح الحوار والمسؤولية.
وهكذا لم يكن اللقاء مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل مساحة حقيقية لإعادة طرح سؤال جوهري: ماذا يعني أن ننتمي إلى وطن؟ فالإجابة، كما عكستها مجريات الحوار، لا تبدأ من الكلمات الكبيرة، بل من الإنسان حين يحول معرفته بوطنه إلى وعي، وانتماءه إلى مشاركة، ومشاركته إلى مسؤولية.




