كابتن أسامه شقمان
استمعت إليك يا نتنياهو وأنت تقف على منبر الأمم المتحدة، لا بصفتي رجل سياسة خبر دهاليزها ومساوماتها، بل بصفتي طيارًا أردنيًا متقاعدًا أمضى أكثر من أربعين عامًا بين الأرض والسماء، وتعلّم من تلك السنين أن القائد قد يملك القرار، ولكنه لا يملك الحقيقة، ففي قمرة القيادة لا يخضع مقياس الارتفاع لرغبة القائد، ولا يبتعد الجبل لأن الطيار أنكر وجوده، ولا تغير الريح اتجاهها لأن صاحب الطائرة رفع صوته، ولهذا لم يشغلني وقع كلماتك بقدر ما شغلني سؤال واحد. كم يبقى من الحقيقة حين يصبح صاحب الحروب هو الراوي الوحيد لحكايتها؟
رأيت الوفود تغادر القاعة وأنت تتحدث، فتذكرت شيئًا تعلمته في الطيران. حين يأتيك إنذار لا تغضب من الجهاز، بل تسأل عن سببه، وحين تتكاثر إشارات التحذير، لا يكون من الحكمة أن تتهمها جميعًا بالخطأ لأن ما تقوله لا يوافق ما تريد سماعه، وقد وصفت المنسحبين بما وصفتهم به، أما أنا فرأيت في المقاعد الخالية سؤالًا أكبر من الأوصاف. ما الذي أوصل العلاقة بين رجل يقف على منبر دولي وبين هذا العدد من ممثلي الدول إلى لحظة يختار فيها هؤلاء الرحيل بدل البقاء والاستماع ؟
مشكلتي معك ليست في جنسيتك، ولا في انتمائك الحزبي، فالأوطان أوسع من حكامها، والشعوب أبقى من السياسيين، مشكلتي مع النهج الذي أراه في سياساتك، حين يتحول الأمن من حق مشروع إلى باب واسع يُدخَل منه إلى الحروب والدمار، وأنا، بعد عمر طويل، لم أعد أؤمن بأمن يبنى على خوف إنسان آخر، لأن الخوف لا يموت، بل يهاجر من قلب إلى قلب، ومن أب إلى ابن، حتى يصبح تاريخًا كاملًا من الثأر المؤجل.
وقد قال ابن خلدون إن "الظلم مؤذن بخراب العمران". ولم أفهم هذه الحكمة يومًا على أن الخراب هو سقوط الحجر وحده، فالمدن يمكن أن تُبنى من جديد، أما خراب النفوس فأشد وأطول عمرًا. يبدأ الخراب الحقيقي حين يألف القوي قوته حتى يظن أن استطاعته للفعل تمنحه الحق فيه، وحين يُطلب من الضعيف أن يتعايش مع ألمه حتى يظنه قدرًا لا مرد له. وبين الاستطاعة والحق مسافة هي التي تسمى في لغة الحكماء، العدل.
يا نتنياهو، التاريخ عندي ليس صفحة نختار منها ما يخدم حاضرنا ثم نمحو ما سبقها، والقضية الفلسطينية لم تبدأ في صباح السابع من أكتوبر، ولم تولد مع تنظيم أو حكومة أو حرب أخيرة، إنها تاريخ طويل من الأرض والنكبة واللجوء والاحتلال والاستيطان والذاكرة المتوارثة، ومن يقرأ الفصل الأخير وحده قد يعرف كيف انتهت الصفحة، لكنه لن يعرف كيف وصلت الحكاية إليها، والتاريخ مهما حاول السياسي تطويعه أوسع من خطابه وأطول عمرًا من سلطته.
ولقد رأيت من قمرة الطائرة مدنًا وحدودًا وبحارًا كثيرة، وكان يدهشني دائمًا أن تلك الخطوط التي يقتتل البشر من أجلها تكاد تتلاشى كلما ارتفعنا، من فوق تضيق الخرائط وتتسع الأرض، لا ترى هوية الطفل ولا دين الأم ولا الحزب الذي ينتمي إليه الأب، ترى بشرًا صغارًا على كوكب واحد، وربما كانت مأساة السياسة أنها كلما اقتربت من الأرض ضاقت رؤيتها، حتى يصبح الخط المرسوم على الخريطة أحيانًا أغلى من الإنسان الذي يعيش إلى جانبه.
وحين أنظر إلى غزة لا أستطيع أن أراها أرقامًا، فقد عشت من السنين ما يكفيني لأعرف أن الرقم هو أكثر الأشياء برودة حين يستخدم لوصف الموت، خلف كل رقم اسم ووجه وأم وبيت ونافذة وذاكرة وربما كان خلفه طفل لم يعرف من السياسة شيئًا ولم يقرأ قرارًا دوليًا ولم يسأل من بدأ الحرب، بل كان يريد أن ينام ويستيقظ في الصباح، وحين يتحول الإنسان إلى رقم تصبح المأساة أسهل على الذين يشاهدونها من بعيد لكنها لا تصبح أقل ألمًا على من يعيشونها.
وهنا أجد نفسي أعود إلى ميزان قديم عرفه العرب قبل المواثيق الحديثة، العدل لا يعرف ميزانين، إن كان دم ابني عزيزًا فدم ابن غيري عزيز، وإن كان خوف أمي حقيقيًا فخوف أم خصمي ليس وهمًا، ولا أستطيع أن أطالب العالم بأن يرى ألمي كاملًا ثم أطلب منه أن ينظر إلى ألم الآخر بعين ناقصة، فالفضيلة التي تتغير باختلاف هوية الضحية ليست فضيلة، والعدل الذي يحتاج إلى معرفة اسم المقتول قبل أن يقرر قيمته ليس عدلًا.
وأنا لا أقيس تجربتك السياسية بعدد السنوات، بل بالأثر الذي تتركه في مفهوم الدولة نفسها. ما يشغلني أن يصبح اسم الحاكم شديد الالتصاق بفكرة الأمن حتى يصعب التمييز بين نقد الرجل ونقد الدولة، فالدولة أوسع من رئيس حكومتها، والوطن أبقى من الحزب، والتاريخ أطول من حياة الزعيم مهما طال بقاؤه، والسياسي الذي يترك وطنه قادرًا على رؤية مستقبله من بعده يكون قد فهم معنى الدولة، أما من يجعل صورته مرآتها الوحيدة فإنه يضيّق عليها ما كان ينبغي أن يتسع.
وقد قال المتنبي. "الرأي قبل شجاعة الشجعان". وأنا، بحكم مهنتي، أعرف أن الشجاعة ليست دائمًا في المضي إلى الأمام. أحيانًا تكون أعظم الشجاعة أن تغيّر الاتجاه حين تعلم أن المسار لم يعد آمنًا، فالطيار لا يفقد كرامته عندما يصحح مساره بل يثبت أهليته للقيادة، أما أن يستمر لأن الرجوع يبدو له هزيمة فقد يجعل كبرياء القائد أثقل من سلامة الرحلة.
ولهذا أسألك من موقعي أنا، لا من موقع خصومك. ماذا لو كانت بعض الأخطار التي تحيط بإسرائيل اليوم لا تُعالج بمزيد من القوة ؟ وماذا لو كانت القوة، حين تتجاوز حدود الحكمة، قادرة على هزيمة عدو في الحاضر وصناعة أعداء للمستقبل ؟ فليس أعظم القادة من يعدد المعارك التي ربحها، بل من يقلل عدد المعارك التي سيضطر أبناؤه إلى خوضها من بعده.
أنا لا أبحث في سريرتك، ولا أعرف ما تضمره فتلك أمور لا يملك إنسان أن يحكم عليها، إنما أنظر إلى الأثر، لأن الأثر هو الذي يبقى بعد ذهاب أصحاب القرار ومن هنا يأتي سؤالي الأخير. حين تنتهي سنواتك في الحكم، ماذا ستقول عنك الذاكرة ؟ هل ستقول إن رجلًا امتلك القوة فبحث عن الطريق الذي يوقف دوران الحروب، أم إنها ستجد منطقة أشد خوفًا وشعوبًا أكثر امتلاءً بالمرارة وأجيالًا ورثت من آبائها سؤال الثأر بدل سؤال المستقبل؟
لقد هبطت أنا من السماء منذ سنوات، بعد رحلة امتدت أكثر من أربعة عقود، وتعلمت أن كل رحلة تنتهي مهما طالت، وكذلك السلطة، لها إقلاع ولها هبوط وعندما ينتهي كل شيء لا يبقى للطيار صوته في مكبرات الطائرة بل يبقى في ذاكرة ركابه سؤال واحد. هل أوصلنا سالمين؟
وهذا هو السؤال الذي أضعه أمامك يا نتنياهو. ليس كم حربًا خضت، ولا كم عدوًا هزمت، ولا كم خطابًا ألقيت، وإنما. أي أرض ستتركها بعدك؟
فالطائرة التي تحيد عن الطريق يمكن أن تعود ما دام لديها ارتفاع ووقت ووقود، أما الشعوب إذا استهلكت أجيالها في الخوف والعداء والانتقام فقد تستيقظ يومًا لتجد أن مستودعاتها امتلأت بالسلاح وأن خزائنها فرغت من الحكمة وأنها تعلمت كيف تنتصر في الحرب لكنها نسيت الطريق إلى السلام.




