شريط الأخبار
الطوباسي يؤدي اليمين الدستورية لمجلس النواب الاثنين لخلافة الجراح بمقعد الشباب الحكومة تقرر صرف الرواتب يوم الخميس 19 شباط تربية القويسمة تنظم ورشة تدريبية لإدارة المحتوى الإعلامي المدرسي مفوّض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: خطط إسرائيل في الضفة الغربية تشكل خطوة نحو ضم غير قانوني دولة عربية تعلن الخميس أول أيام رمضان ابنة هيفاء وهبي تظهر بملامح مختلفة كلياً دينا فؤاد بمنشور غامض عن الأصل والطيبة النجوم يجتمعون في غداء ما قبل حفل الأوسكار... كل ما تريدون معرفته عن المناسبة العالمية المياه تطلق نتائج دراسة لتقييم استدامة "حوض الديسي" المومني: الأردن يقف إلى جانب أشقائه العرب مناصرا وداعما إطلاق منظومة مؤشرات الموارد البشرية في القطاع العام وزير العدل يترأس الاجتماع الأول لمجلس تنظيم شؤون الخبرة لعام 2026 5 ميداليات للأردن في دورة الألعاب للأندية العربية للسيدات حسّان: العام الحالي يشهد إطلاق مشاريع استراتيجية في المياه والطاقة والنقل "تنشيط السياحة" تشارك بالمعرض السياحي الدولي "بي آي تي 2026" في ميلانو مواصلة أعمال الترميم في البترا: تعزيز حماية "قبر الجرة" وفق المعايير الدولية اتفاقية جديدة بين الأردن وسوريا لتعزيز التعاون في النقل الجوي وتوسيع خيارات المسافرين تجارة الأردن" تعيد افتتاح مكتب مجلس الأعمال الأردني السعودي في مبناها الهميسات يشيد بإنجازات"البوتاس العربية" وزيرة التنمية الاجتماعية تشارك في أعمال الدورة الـ 45 للجنة المرأة العربية

الرواشدة تكتب : "إعادة إنتاج الفقر" قتل للطموح وتكريس للامتيازات

الرواشدة تكتب : إعادة إنتاج الفقر قتل للطموح وتكريس للامتيازات
عميد زيد الرواشدة
الفقر في مجتمعنا ليس ظرفاً اقتصادياً عابراً، ولا نتيجة لحظٍ عاثر أو مجهود ضائع. إنه نظام متكامل، ينسج خيوطه منذ الولادة، ويعيد إنتاج نفسه عبر الأجيال، تحت ستار العدالة الاجتماعية والفرص المتساوية، بطريقة تجعل الفقراء يصدقون أن كل شيء طبيعي وعادل، بينما يبقى النظام محميّاً ويكرّس الامتياز للفئات العليا.
منذ اللحظة الأولى، يولد الطفل في بيئة تحدد مستقبله قبل أن يعرف العالم. حيّ فقير يعني مدارس مهترئة، موارد محدودة، تعليم ناقص، ومعلمين مرهقين لا يملكون أدوات التحفيز الكافية. في المقابل، الطفل في حي غني ينشأ في بيئة محفزة، مع أدوات تعليمية متطورة ومعلمين قادرين على تحويل الطموح إلى إنجاز.
هذه الفجوة المبكرة ليست صدفة؛ بل هي بذور الفقر المتوارث. يتعلم الطفل الفقير منذ طفولته أن الفرص محجوزة لغيره، وأن الطموح محفوف بالعقبات، بينما الطفل الآخر يعتاد النجاح والمكافأة.
وفي المدارس، تتجلى إعادة إنتاج الفقر بشكل أوضح. المناهج والموارد غير متساوية، والفرص للتطوير محدودة، وبرامج الدعم والابتكار غالباً ما تُقدَّم انتقائيّاً، بحيث يبقى الفقراء في دائرة ضيقة من المعرفة والخبرة، بينما تُتاح للآخرين كل الأدوات لتفجير طاقتهم. يتحول التعليم بذلك من وسيلة للارتقاء إلى آلية لتثبيت الوضع القائم، ويصبح الحرمان التعليمي عبئاً ثقافيّاً ونفسيّاً يعيق المبادرة والإبداع.
أما سوق العمل، فالفرص الوظيفية الأفضل والمواقع القيادية غالباً ما تُحجز لمن يمتلكون النفوذ والامتيازات العائلية، بينما يُترك الفقراء للتنافس على وظائف هزيلة، أجورها ضعيفة واستقرارها غير مضمون. وهكذا يُعاد إنتاج الفقر بشكل متكامل: مادي، نفسي، واجتماعي، لتصبح الخوف والريبة والتردد سلوكيات مكتسبة، ويتحوّل الفقر من مجرد حالة إلى ثقافة متوارثة تحافظ على هرم الامتياز.
والأخطر أن هذه العملية غالباً ما تُقنع المجتمع بأنها طبيعية. القوانين والتشريعات المصممة لدعم الفقراء تتحوّل أحياناً إلى أدوات لإدامة الفقر، لأنها تُطبَّق بشكل انتقائي أو تُفسَّر وفق مصالح الطبقات العليا، فيتعلم الفقراء قبول الواقع والاعتقاد بأن الوضع عادل، بينما يُبنى النظام بأكمله لصالح الأغنياء ويكرّس الفقر كحالة ثابتة.
الفقر الحقيقي يتجاوز نقص الموارد؛ إنه ظلم متوارث، ثقافة قاتلة، وعائق أمام تطوير المجتمع. وكل خطوة نحو كسره تتطلب شجاعة: شجاعة للشك فيما يبدو طبيعيّاً، شجاعة لإعادة توزيع الفرص بعدالة، شجاعة لبناء نظام يكافئ الكفاءة لا المحسوبية، ويمنح كل فرد حقه في التعليم والعمل والنجاح.
وهنا يأتي دور الفرد الواعي والمؤسسات المسؤولة لكسر هذه الدائرة. توفير التعليم الجيد للجميع، خلق فرص عمل عادلة، وتقييم الأداء على أساس الكفاءة لا النفوذ، كلها أدوات لكسر حلقة إعادة إنتاج الفقر. كل مبادرة ناجحة، كل مشروع ابتكاري، وكل نجاح يُحتفى به بعدالة، يصبح حجر أساس لكسر النظام الصامت الذي يعيد إنتاج الحرمان.
في النهاية، إعادة إنتاج الفقر ليست مجرد مشكلة اقتصادية، بل اختبار للضمير الاجتماعي، للعدالة، وقدرة المجتمع على منح الفرص الحقيقية لكل فرد. كل خطوة نحو كشف هذه الحقيقة، نحو الإصلاح والتغيير، هي خطوة لإنقاذ المجتمع ككل، لا الفرد فقط.
فالمجتمع الذي يسمح للفقر أن يُعاد إنتاجه سيبقى مقسوماً، طموح أفراده محدود، والمواهب الحقيقية محاصرة خلف جدران الفرص المحدودة. أما من يكسر هذه الدائرة، فهو يخلق مجتمعاً حيّاً، متطوراً، ومليئاً بالإبداع والفرص الحقيقية، بعيداً عن المحسوبيات والامتيازات الموروثة.