شريط الأخبار
اتفاقية جديدة بين الأردن وسوريا لتعزيز التعاون في النقل الجوي وتوسيع خيارات المسافرين تجارة الأردن" تعيد افتتاح مكتب مجلس الأعمال الأردني السعودي في مبناها الهميسات يشيد بإنجازات"البوتاس العربية" وزيرة التنمية الاجتماعية تشارك في أعمال الدورة الـ 45 للجنة المرأة العربية رئيس هيئة الأركان المشتركة يستقبل قائد القوات المركزية الأميركية الهيئة المستقلة للانتخاب: حمزة الطوبسي سيخلف النائب المفصول محمد الجراح للوصول إلى حلول لمعاناة أصحاب القلابات في الحسا .. اجتماع غدا الخميس بين لجنة عن أصحاب القلابات وإدارة شركة الفوسفات وزير الصحة يعلن ساعات الدوام الرسمية للموظفين خلال شهر رمضان أمير قطر يبحث مع الرئيس الأميركي جهود خفض التصعيد في المنطقة الحسين يفوز على الاستقلال الإيراني في ذهاب دور الـ16 من دوري أبطال آسيا أسعار النفط تستقر وسط ترقب نتائج المحادثات ومخزونات النفط الأمريكية تفكك الجذور وسقوط الثوابت: قراءة في أزمة القيم المعاصرة ابستين أمانة عمّان تبدأ تركيب 5500 كاميرا مراقبة ذكية لتحسين إدارة المرور ضمن خطة التحول إلى المدينة الذكية العيسوي: سياسة الملك الحكيمة تعزز مسيرة الأردن وترسخ حضوره إقليميا ودوليا البنك المركزي يطرح سندات خزينة بقيمة 200 مليون دينار جامعة البلقاء التطبيقية تطلق تطبيقها على الهاتف الذكي عبر My BAU زين تدعم الحفل السنوي الخيري لمؤسسة فلسطين الدولية للتنمية عمّان الأهلية تشارك بجلسة تعريفية حول منحة البرلمان الألماني عمان الأهلية تشارك ببرنامج رحلة المشاعر المقدسة بالسعودية جامعة آل البيت تصدر عددا من القرارات لتطوير وإعادة تنظيم برامجها الأكاديمية

بين الترشيق والترهل: قرار إيقاف إنهاء خدمات ذوي الخبرات يستدرك خطأً استراتيجياً

بين الترشيق والترهل: قرار إيقاف إنهاء خدمات ذوي الخبرات يستدرك خطأً استراتيجياً
القلعة نيوز:

احمد عبدالباسط الرجوب

في خطوة تستحق الثناء والتأييد، قرَّر مجلس الوزراء يوم أمس الثلاثاء 23 كانون الأول / يناير 2025 إيقاف العمل بالقرارات السابقة التي تلزم إنهاء خدمات الموظفين ممن بلغت خدماتهم 30 سنة فأكثر. هذا القرار ليس مجرد تعديل إداري، بل هو تصحيح لمسار خطير كان يهدد بتفريغ مؤسسات الدولة من أهم أصولها: رأس المال البشري المخضرم، والذاكرة المؤسسية الحية، والكفاءات المتراكمة عبر عقود من الخدمة.

لقد حذَّرنا مراراً في مقالات سابقة، منها مقال نشر في 26 أيلول / سبتمبر 2019 بعنوان "هفوة ترشيق جهاز الخدمة"، من العواقب الوخيمة لسياسات "التقاعد القسري" أو "الإحالة الإلزامية" لمن تجاوزوا سناً أو عدد اشتراكات معينة. وكنا نؤكد أن هذه السياسات تقود إلى:

1. إفراغ مؤسسات الدولة من "قباطين إدارتها" وأصحاب الرؤية الشمولية، الذين يعتبرون مراكز تفكير (Think Tanks) داخل أجهزتها.

2. هدر طاقات هائلة وخبرات متراكمة، في وقت أصبح فيه متوسط العمر الصحي للإنسان الأردني يقارب 75 عاماً، مما يعني أن الموظف في الستينيات من عمره ما زال في أوج عطائه وقدرته على الإبداع والتوجيه.

3. خسارة فادحة للاستثمار في رأس المال البشري، حيث تُدفع الكفاءات إلى التقاعد في ذروة نضجها المهني، بينما تكون الحاجة إليها أكبر ما تكون لمواجهة التحديات المعقدة وبناء القدرات المؤسسية.

4. خلق ثغرات تنظيمية خطيرة، حيث يتم التركيز على "ضخ دماء جديدة" – وهو هدف مشروع – ولكن دون بناء جسر للتواصل بين الخبرة القديمة والطاقة الجديدة، مما يؤدي إلى تكرار الأخطاء وضياع المعرفة المؤسسية.

هذه التحذيرات لم تكن من فراغ، بل تستند إلى حقائق ديموغرافية واقتصادية لا يمكن تجاهلها. فقبل ستة عقود، كان متوسط عمر الإنسان في الأردن حوالي 50 عاماً، وكان من تجاوز الخمسين يُعتبر طاعناً في السن. أما اليوم، فقد أظهرت دراسة لمعهد القياسات الصحية والتقييم في جامعة واشنطن، نُشرت في مجلة "لانسيت" المتخصصة، أن معدل عمر الرجال الأردنيين ارتفع إلى 75.7 سنة، والنساء إلى 75.1 سنة. هذا التحول الجذري يضعف أي مبرر لإنهاء خدمات الموظف في سن الستين وهو ما يزال في صحة جيدة وذروة عطائه.

القرار الجديد يأتي ليعيد التوازن المفقود، وهو يتماشى مع الاتجاه العالمي السائد. فالكثير من الدول، ومنها تونس (62-65 سنة)، ولبنان (64 سنة)، وأمريكا (66 سنة وتتجه إلى 67)، وحتى بريطانيا وألمانيا اللتان تدرجان نحو رفع سن التقاعد إلى 67-70 سنة، أدركت أن معادلة القرن الواحد والعشرين تختلف. هذا الاتجاه ليس اختياراً فحسب، بل هو ضرورة اقتصادية؛ فتكلفة المتقاعدين على الخزينة العامة تصل إلى نصف مليار دينار أردني سنوياً، وتشكل عبئاً متزايداً. كما أن تمديد سنوات العمل يسهم في دعم النمو الاقتصادي، خاصة في ظل الظروف الديموغرافية الحالية وتراجع القوى العاملة.

القرار الحكومي لا يلغي فكرة التطوير وترشيق الجهاز الحكومي، بل يربطها بالحاجة الفعلية للمؤسسة وليس بالمعيار الزمني الجامد. ويعيد الصلاحية للمرجع المختص لتقييم كل حالة على حدة، مما يعزز المرونة الإدارية ويحول دون خسارة كفاءات استثنائية تشكل عصب عمل مؤسساتها.

الأهم من ذلك، أن هذا القرار يفتح الباب للحديث عن التحدي الأكبر: تأسيس الصف الثاني من القيادات الكفؤة. فالمشكلة ليست في بقاء الخبرات فقط، بل في كيفية استثمارها لنقل المعرفة وبناء الجيل القادم من القادة. الخبرة المتراكمة ليست منافساً للشباب، بل هي رافعة ومرشد ومدرب طبيعي لهم. الاستثمار الحقيقي في رأس المال البشري يكمن في خلق نظام متكامل يجمع بين:

1. الاحتفاظ بالكفاءات العليا والخبرات النادرة في مواقع التأثير والتوجيه الاستراتيجي.
2. إعداد وتدريب الصف الثاني والثالث بشكل منهجي تحت إشراف هؤلاء الخبراء، لضمان استمرارية العمل وجودة المخرجات.
3. تقييم الأداء بمعايير الكفاءة والإنتاجية والقيمة المضافة، وليس فقط بالسنوات والاشتراكات.

ختاماً ، نشكر الحكومة على هذه الخطوة الواعية التي تستمع لصوت العقل والمنطق والوطنيين الذين طالما حذروا من منزلق "الترهل عن طريق الترشيق" – أي إضعاف المؤسسة بحجة إصلاحها. نأمل أن يكون هذا القرار بداية لفلسفة إدارية جديدة تُقدّر الخبرة، وتستثمر في الشباب تحت رعايتها، وتبني مؤسسات دولة قائمة على التكامل بين التجربة الحيوية والحيوية المتجددة، لأن ذلك هو أساس أي نهضة حقيقية.

باحث ومخطط استراتيجي