القلعة نيوز:
الكاتب عمر فتحي الرفاعي /عناتا :القدس
في المراحل التي تتعرض فيها الدول لاختبارات خارجية معقدة لا يعود النقاش حول المبادرات الوطنية نقاشا ترفيهيا أو تنظيريا، بل يتحول إلى سؤال جوهري يتعلق بقدرة المجتمع على الصمود، وبمدى انسجامه مع اتجاه الدولة وخياراتها الاستراتيجية. وفي هذا السياق تبرز مبادرة الدكتور عوض خليفات بوصفها تجربة سياسية - مجتمعية تستحق قراءة معمقة لا من زاوية الحدث بل من زاوية الأثر والدلالة.
ما يلفت في هذه المبادرة أنها لم تتشكل كرد فعل اني، ولم تبن على لحظة سياسية عابرة بل جاءت نتيجة إدراك مبكر لحاجة الداخل الأردني إلى مساحات تواصل عقلانية تتجاوز الانقسام وتعيد ترتيب النقاش العام حول ما هو أساسي في زمن تتكاثر فيه الضغوط وتضيق فيه هوامش الخطأ. امتداد المبادرة لأكثر من عام ونصف، وبلوغها واحدا وثلاثين لقاء في مناطق مختلفة من المملكة، منحها طابعا تراكميا واضحا وأخرجها من إطار المبادرات المحدودة إلى فضاء التفاعل الوطني الواسع.
وقد لاقت المبادرة منذ انطلاقتها ترحيبا شعبيا واسعا واهتماما لافتا من مختلف الفئات المعنية بوحدة الوطن وتماسكه، وبالعلاقة الصحية بين الدولة ومجتمعها. هذا القبول لم يكن وليد خطاب عاطفي بل نتيجة شعور عام بأن المبادرة تمثل مساحة جامعة تعزز الثقة بين الحاكم والمحكوم وتعيد التأكيد على أن الحوار المسؤول هو الطريق الأقصر لترسيخ الاستقرار وتعزيز الشرعية المجتمعية للدولة.
ويحسب للمبادرة أنها انطلقت كمبادرة شخصية خالصة لم تبن على إملاءات ولم تدار بوصفها امتدادا لموقع رسمي أو تكليف سياسي بل خرجت من منظور المصلحة العامة ومن قناعة ذاتية بأن اللحظة الوطنية تستدعي فعلا مسؤولا. وهي في هذا المعنى تعبير عن مدرسة في العمل العام ترى أن خدمة الدولة لا ترتبط بالمنصب وأن الثبات على المبادئ هو معيار الصدقية الحقيقي. فالدكتور عوض خليفات بحكم مسيرته الطويلة في الدولة حمل الهم الوطني ذاته والفكر نفسه سواء كان في موقع المسؤولية أو خارجها، دون مزايدات أو تبدل في الخطاب وبانحياز ثابت لثوابت الدولة الأردنية وتاريخها.
اللافت في هذا المسار أنه خاطب المجتمع الأردني بكل تنوعه فوجد قبولا لدى العشائر، والأحزاب، والشباب، والقيادات المجتمعية، والمهتمين بالشأن الاقتصادي والاجتماعي على اختلاف وجهات النظر وتباين القراءات السياسية. وهذه بحد ذاتها ظاهرة تستحق التوقف عندها أن يلتف الناس حول شخصية لا تحمل صفة رسمية، ولا تستند إلى سلطة تنفيذية، بل إلى رصيد من الثقة والاتساق وإلى خطاب يضع الداخل الأردني والهم الفلسطيني في صلب الأولويات دون إقصاء أو تصنيف.
وقد أسهم هذا المسار في توحيد المواقف والمشاعر حول حب الوطن وتعزيز التعاون بين مختلف مكونات الشعب الأردني، ضمن إطار الهوية الوطنية الأردنية الواحدة بقيادة هاشمية متسامحة، حكيمة، وقادرة على استيعاب التحولات الإقليمية والدولية دون التفريط بالثوابت. وهو ما جعل المبادرة أقرب إلى حالة وعي جماعي لا مجرد سلسلة لقاءات.
ويأتي هذا كله منسجما مع ما أكده جلالة الملك عبد الله الثاني مرارا من أن قوة الموقف الأردني في الخارج وقدرته على التحرك الدبلوماسي بثبات تستند أولا إلى تماسك الداخل وتقارب وجهات النظر بين خطاب الدولة والوعي المجتمعي. وقد عبرت المبادرة عمليا عن هذا الفهم إذ سعت إلى تقليص الفجوة بين الرأي العام والمسار الرسمي، دون مصادرة للاختلاف أو إلغاء للتعدد، إدراكا بأن الاختلاف في الرأي ظاهرة طبيعية وصحية في المجتمعات الحية، لكن ذلك لا ينطبق على الثوابت الوطنية التي لا تحتمل المجاملة ولا تقبل المساومة، وفي مقدمتها وحدة الدولة، ومكانة القدس، والالتفاف حول القيادة الهاشمية.
كما انسجم هذا المسار مع الموقف الأردني الثابت من القضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية لا سياسية فحسب، بل أخلاقية وتاريخية، ومع التأكيد على الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس باعتبارها ركيزة من ركائز الدولة الأردنية ودورها الإقليمي. وفي هذا السياق حملت المبادرة بعدا يتجاوز الداخل، عبر التأكيد على أهمية التعاون العربي الحقيقي، بوصفه أفقا ضروريا لإعادة الاعتبار للدور العربي في المشهد السياسي الدولي، دون شعارات أو أوهام بل من منطلق الواقعية والمسؤولية.
وفي البعد المستقبلي تلتقي المبادرة مع الرؤية المؤسسية التي تعطي مساحة متقدمة لدور الشباب وتؤكد أهمية إشراكهم في النقاش العام وصناعة الوعي، وهي رؤية تتقاطع مع ما يمثله سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني - ولي العهد- من منظور شبابي إصلاحي يربط بين الثبات على الثوابت والانفتاح على أدوات العصر ويعزز فكرة استمرارية الدولة وتجددها في آن واحد.
إن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن في عناوينها بل في قدرتها على تعزيز الثقة وتوحيد الاتجاهات وتقريب المسافات بين الدولة ومكونات المجتمع وعلى إعادة الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية بوصفها ضرورة سياسية في زمن التحديات، لا شعارا إنشائيا. فهي لم تسع إلى خلق اصطفافات جديدة بل إلى بناء أرضية مشتركة وإعادة ترتيب الأولويات وتأكيد أن الإصلاح والاستقرار مساران متلازمان لا متعارضان.
في المحصلة، تقدم مبادرة الدكتور خليفات نموذجا لكيف يمكن للفعل الوطني الصادق حين ينطلق من القناعة لا من الموقع، أن يتحول إلى عنصر قوة للدولة وإلى رافعة تماسك داخلي في زمن إقليمي شديد الاضطراب. وفي عالم تتسارع فيه المتغيرات يبقى هذا النوع من المبادرات مؤشرا على وعي وطني عميق يدرك أن حماية الدولة تبدأ من الداخل وتصان بالحكمة لا بالانفعال.




